المناورات البحرية التي بدأتها قوات الحرس الثوري الإيراني في الثاني والعشرين من أبريل الجاري في مياه الخليج، والتي استمرت لمدة أربعة أيام تختلف بعض الشيء عن المناورات الأربعة التي أجريت سابقاً في مناسبات متشابهة تتعلق بذكرى تأسيس الحرس الثوري عام 1979.

فهي تأتي في ظل ظروف تزايدت فيها التوترات بين طهران والدول الغربية حول البرنامج النووي الإيراني، من جهة، وتعاظم الدور الإيراني في المنطقة، من جهة ثانية، وتأتي كذلك في ظروف تعاظم المعارضة الداخلية لحكومة الرئيس أحمدي نجاد، من جهة ثالثة.

تبرر طهران القيام بهذه المناورات بأنها تأخذ بنظر الاعتبار والجدية التهديدات الأميركية الخطيرة لأمنها خاصة ما صدر مؤخراً حول العقيدة النووية الجديدة التي تبنتها إدارة الرئيس الأميركي أوباما والتي استثنت في ضوئها كل من كوريا الشمالية وإيران من قيد عدم استخدام السلاح النووي ضد الدول التي لا تملكه.

ولعل من الضروري الإشارة إلى أن المناورات الأربع السابقة كانت تجرى في شهور فصل الصيف، ومع أن طهران لم توضح أسباب تغيير موعد هذه المناورات، إلا أنه ليس من الصعب رؤية صلة ذلك بالسياقات الأخرى التي تتصاعد فيها الضغوطات على إيران عشية فرض جولة رابعة من العقوبات عليها، ووصول اللاعبين الكبار في السياسة الدولية إلى القناعة بضرورة اللجوء إلى خيار القوة للي الذراع الإيراني.

الجديد في الموضوع ليس عادياً، لسببين مهمين:

أولهما قيام قوات الحرس الثوري الإيراني، وللمرة الأولى وبعملية غير مسبوقة، بالتصدي لسفن غير حربية (سفينة إيطالية وأخرى فرنسية) في مضيق هرمز والقيام بتفتيشهما بحجة التأكد بأن الأنشطة التي تتعلق برحلات هذه السفن ليس فيها ما يلحق الضرر بالبيئة الخليجية. وهذا الإجراء هو رسالة واضحة بأن إيران جاهزة، عند الضرورة، للقيام بإغلاق مضيق هرمز، حيث يمر شريان الوقود إلى الغرب والذي هو في الوقت نفسه شريان الحياة لست دول عربية تطل على الخليج وتسوق نفطها عبره.

وثانيهما قيام الغواصين الإيرانيين بزرع الألغام في مضيق هرمز وفي مناطق أخرى في مياه الخليج في عمليات غير مسبوقة أيضاً بحجة حماية الخليج وأمنه. ورغم أن المسؤولين في إيران يؤكدون على أن هذه المناورات ليست موجهة ضد جيرانهم ويؤكدون حرص طهران على الحفاظ على أمن الخليج، وهو مما يصب في مصالح جميع بلدان المنطقة، إلا أن من الصعب جداً أن يجد هؤلاء المسؤولون من يشاركهم هذا الرأي.

رسائل عديدة ترسلها طهران عبر هذه المناورات، أبرزها ما يحرص على ترديده المسؤولون الإيرانيون في كل مناسبة وهي جاهزية طهران لردع أي اعتداء محتمل عليها.

الأخطار التي قد تتعرض لها طهران بسبب إصرارها على التمسك ببرنامجها النووي لا تتأتي من جهة واحدة، فالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا مضافاً إليهما إسرائيل هي المصدر الرئيسي لهذه الأخطار.

الأضرار التي تلحقها بعض هذه الدول (روسيا والصين) لا تتعدى المساهمة في صياغة القرارات التي تلحق بإيران بعض الضرر، ولكن دولاً أخرى لها أنياباً حادة، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تقدم على عملية عسكرية لإجهاض البرنامج النووي الإيراني. وليس من المستبعد أن تسهم دولاً أخرى في هذه العملية العسكرية، خاصة فرنسا الأكثر تحمساً لإيقاف البرنامج النووي الإيراني أو عرقلة تقدمه.

مما يرجح لدى طهران قيام عمل عسكري ضد منشآتها النووية ظهور مؤشرات عديدة، منها المذكرة التي بعثها البنتاغون إلى مكتب الرئيس أوباما، منتقداً الرئيس بشكل غير مباشر، حول عدم وجود استراتيجية أميركية واضحة لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، وتصريح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لاحقاً بأن من المحتمل أن تتمكن إيران من صنع سلاح نووي في غضون سنة واحدة.

ومنها ما كشفه الرئيس الروسي ميدفيدف عن وجود خطط عسكرية أميركية ـ إسرائيلية لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وتحذيره من أن المضي قدماً لتنفيذ ذلك قد يؤدي إلى استخدام أسلحة نووية.

وكذلك ما صرح به رئيس هيئة الأركان الأميركية الأدميرال مايكل مولن من أن الضربة العسكرية ستلحق أضراراً كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني على عكس ما كان يتوقعه المراقبون من أن التحصينات المتخذة لحماية هذا البرنامج من القصف الجوي تحيل دون وصول الأسلحة التقليدية إليه. والآن لو افترضنا أن سيناريو العملية العسكرية ضد المنشآت النووية في إيران قد وضع موضع التنفيذ، ما الذي بقدرة طهران أن تفعله؟.

إيران لا تستطيع حماية نفسها من الضربة المتوقعة، فهي لا تمتلك سلاحاً جوياً قادراً على مواجهة السلاح الجوي الأكثر تقدماً في العالم الذي لدى الولايات المتحدة ولدى إسرائيل. كما أنها لا تمتلك منظومات المضادات الأرضية المتطورة القادرة على إسقاط الطائرات المغيرة، فهي لم تنجح في الحصول على المنظومة الصاروخية الروسية المتقدمة إس 300. إضافة إلى أنها لا تمتلك منظومات الصواريخ المضادة للصواريخ لاعتراض وإسقاط الصواريخ التي قد توجه إليها من مسافات بعيدة.

كما أنه من المستبعد جداً أن تجد القوارب الإيرانية التي اشتركت في المناورات أمامها بارجة حربية أميركية يسهل تطويقها وضربها بالصواريخ كما رسمت في سيناريو المناورات التي أجرتها والتي لا تزال تعبر عن عقيدة عسكرية لم تستطع الابتعاد كثيراً عن أجواء قواعد الاشتباكات التقليدية. فما هي قوة الردع التي تعول عليها طهران في هذه الحالة؟.

الدول التي ستهاجم منشآت طهران النووية تقبع على مسافات بعيدة لا تطالها القبضة الإيرانية، إلا أن هذه القبضة تطال مصالح الولايات المتحدة وقواعدها الكثيرة المنتشرة في المنطقة، وهو ما تهدد طهران باللجوء إليه في حالة تعرضها للعدوان. إلا أن هذه المصالح مرتبطة ومتشابكة، إلى حد بعيد، مع مصالح الدول المجاورة لإيران مباشرة (العراق وتركيا) أو المتشاطئة معها عبر الخليج (دول الخليج العربية).

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae