نلاحظ منذ مدة أننا أصبحنا نختصر أوقات المناسبات السعيدة التي نمر بها بين حين وآخر، كما أصبحنا أيضًا نختصر أوقات أحزاننا التي تأتي دائمًا رغمًا عنا، لكننا لم نكن نستطيع أن نفلت من التفاعل معها بالمشاعر والبكاء أحيانًا، وأحيانًا أخرى بالصراخ والعويل، وربما بما هو أشد من ذلك في حالات آخر.

الآن.. لم يعد لدينا الوقت الكافي لنعيش حالة فرح أو حزن، أو لنتشاركها مع الآخرين، كل شيء أصبح مصبوغًا بلون العصر السريع الذي نعيشه، وكأننا لا نجد لذة في أوقات الفرح فنطيلها، ولا طاقة لدينا على الحزن الطويل الممتد الذي يزرع شيئا من الراحة في نفوسنا بعد ذلك فنعيشه كما كنا نفعل من قبل.

نسياننا أصبح أسرع بكثير من السابق، ننسى كل شيء، بما في ذلك الحزن الذي لم يكن يُنسى بسهولة من قبل، والفرح الذي كان يمتد لأيام وليال أيضا. كل ذلك أصبح يستغرق منا وقتًا أقل بكثير مما كان يستغرقه، وكأن إيقاع الحياة السريع تغلغل في أعماقنا، فأصبحنا أكثر قدرة على التعبير عن عواطفنا وأحاسيسنا في الأفراح والأتراح بأقل قدر من الضحكات والكلمات والدمعات.

ليس من السهل اختصار المشاعر، ولا من السهل تقليص الأحاسيس، ولكننا نجحنا في ذلك بجدارة! فلم نعد نبالي بما ينفحنا به الدهر من المفرحات، ولا تنغص صفو حياتنا كثيرًا الملمات والمصائب المحزنات، وبالتالي.. أصبحنا لا نعطي عواطفنا حقها في التعبير عنها، وذلك لأننا ببساطة لا نجد الوقت الكافي لكي نعيشها بأوجهها المختلفة، ونصل بها إلى أقصى مدى يمكنها أن تصل إليه.

كنا في السابق نعيش الفرح أياما وليالي لا نبالي فيها بأي شيء، لأنها أيام فرح، نشعر بفرحة العيد حين يقبل، ونشارك أبعد الجيران فرحتهم بزواج ابن أو ابنة، أو بمولود يولد لهم، أو بعودة مسافر غاب عنهم طويلا، نعيش كل تلك المناسبات المفرحات معهم وكأنها مناسباتنا، ونشعر بالسعادة تغلغل في عروقنا وتنعش قلوبنا، لا فرق حينها إن كان الذي سيتزوج ابننا أو ابنهم، أو المولود الذي وُلد إن كان في بيتنا أو بيتهم.

أو ذاك الغائب الذي عاد إن كان منا أو منهم، ليس لأن العلاقات الاجتماعية كانت أقوى مما هي عليه اليوم فقط، بل لأننا كنا نجد في تلك المناسبات سببًا منطقيًا لكي نعيش حالة الفرح والسعادة، حتى إن لم تكن متعلقة بنا بشكل مباشر، فهي مناسبات فرح، ولا بد أن نعيش ذلك الفرح.

اليوم، من الممكن أن يولد في أحد البيوت طفل جديد، ولا يعني ذلك شيئًا بالنسبة لبعض سكان ذلك البيت، أو أن يعود مسافر، أو أن يتزوج أحد أفراد الأسرة دون أن يكون لكل هذه المناسبات أدنى تأثير على خط حياة بعض الأفراد، وعلى روتينهم اليومي. الكل معنيّ بأموره الخاصة، ولا يجد دافعًا يحركه لأن يتفاعل مع مناسبات الآخرين من حوله، ولا أقصد بالآخرين إلا الأهل المقربين جدا، مع أن الناس في الماضي ؟

وبعض الناس اليوم ممن بقيت فيهم أَثَارة من ذلك الماضي القريب- كانوا يتفاعلون فرحًا وحزنًا مع أشخاص لا روابط أسرية تربطهم بهم، لكنهم يتقاسمون معهم المسكن والمأكل والمشرب لأسباب مختلفة، كالدراسة أو العمل أو غير ذلك، فما بالنا بمن يربطهم رابط الدم والاسم!

الأمر نفسه يُقال عن الحزن، أبعده الله عنا جميعًا، وقد كنا في السابق نستشعر قدومه بشيء من الحدس، أو ندرك بعض الإشارات التي يرسلها لنا، نفهمها، ونتوقع ما قد يأتي بعدها حتى إن كان ذلك التوقع صعبًا في حد ذاته، إلا أننا من الممكن أن نقوم بذلك بوعي أو دون وعي، ومع ذلك يكون وقع المصاب شديدًا، ونسيانه صعبًا.

ها هو ذا الحزن يأتي فجأة، خصوصًا فيما يتعلق بالموت وفقد بعض الأحبة، لقد أصبحوا يذهبون فجأة، دون سابق إنذار، ودون أن يهيئونا لكي نتمكن من ترتيب حياتنا التي سيتسبب فقدهم في إحداث فجوة فيها لا يمكن أن يردمها غيرهم.

ومع ذلك.. بل ومع كل ذلك.. أصبحنا أكثر قدرة على استيعاب هذا الفقد المفاجئ، وأصبحت عواطفنا أكثر قوة وصلابة، وكأننا نستطيع أن نجمع أطراف المصيبة النازلة علينا بكل ملحقاتها من الأحزان والدموع ونلفها في قطعة قماش ونلقيها في أقرب حاوية قمامة ونمضي في طريق حياتنا المعتاد دون أن نعبأ بما حدث.

ربما يكون لهذا التغير في طبيعة العواطف فائدة، وهي أننا توقفنا عن اجترار أفراحنا وأحزاننا لفترات طويلة كما كنا في السابق، لكن هل من الطبيعي أن تتحول عواطفنا هذا التحول الكبير، وبعد أن كانت مطاطية قادرة على التمدد لزمن طويل، أصبحت أكثر صلابة من الحجر الصلد الذي لا يؤثر فيه شيء؟ ألا يوجد مكان في الوسط بين المطاطية والصلابة يمكنها أن تقف عنده؟

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com