كان من المفترض أن أخصص مقالتي هذه لاستكمال موضوع الحوسبة الغيمية الذي ابتدأته في عرضي السابق. ولكني، بعد استلام رسالة القارئة العزيزة «أم عبد الله» تعقيباً على مقابلة لي مع «البيان»، أجد نفسي متحمساً للحديث في موضوع أكثر إلحاحاً، أشكر أم عبد الله على إثارته في هذا الوقت بالذات، محتفظاً بوعدي بأن أفصّل رؤيتي بشأن تطبيقات الحوسبة الغيمية في الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات.

أبدأ بعرض كامل لرسالة القارئة أم عبدالله، على النحو التالي:

«هل ستستفيد الأرامل والمطلقات من خدمة ربط البيانات التي كنّا ننتظرها بفارغ الصبر؟ أم أن بعض الجهات الحكومية ستستمر في طلب إثبات حالة عدم زواج، تضطرنا إلى تكبّد العناء والإحراج في المحاكم، والبحث عن شهود، ودفع رسوم المحكمة، ثم بعد ذلك نذهب إلى البلديات وندفع الرسوم مرة تلو أخرى للحصول على شهادة أملاك تثبت عدم امتلاكنا لأراض في الدولة؟

ما فائدة وجود أجهزة كمبيوتر وقواعد بيانات إذا كانت الجهات (الحكومية) سوف تستمر في تضييع وقت المراجعين وهدر أموالهم ؟ على الرغم من حاجتهم؟ إن تلك الجهات تتبع إجراءات عقيمة أكل الدهر عليها وشرب، من أجل تحصيل رسوم بلا داع». انتهت رسالة القارئة العزيزة.

تساؤلات أم عبدالله تفتح الباب على موضوع كبير واستراتيجي، يتمثل في الربط الإلكتروني على المستوى الوطني، بما يشمل المحلي والاتحادي معاً، وهو المشروع الذي سيمر بالضرورة عبر استكمال إصدار الهوية للمواطنين والمقيمين على السواء في دولة الإمارات.

ولئن كنّا على ثقة تامة بأن هيئة الإمارات للهوية ستتمكن بالاقتدار والجدارة اللتين عرفت بهما من استكمال إصدار الهوية لجميع من يقيمون على أرض الدولة، فإن الأهمية الحقيقية لبلوغ تلك المرحلة تتمثل في أنها تفسح المجال لإمكانية إطلاق ورشة عمل كبرى من التحقق والتوثيق بأثر رجعي، وبما يفضي إلى وضع تستطيع فيه تلك «الجهات الحكومية» التي تحدثت عنها أم عبدالله بمرارة أن تحدد ما إذا كان أيٌّ من مراجعيها يمتلك عقاراً أو أنه تزوج ثانية بعد طلاق سابق أو ما شابه.

فلو تخيّلنا أن أم عبدالله تمتلك رقم هوية موحداً، وأنها قدمته إلى الجهة الحكومية المعنية، طالبة من الموظفين أن يتأكدوا بأنفسهم من وجود البيانات التي يبحثون عنها، فكيف يتسنى معرفة السجل السابق لصاحبة الهوية من دون المرور بمراحل التحقق والتوثيق والربط بالهوية؟!

كيف يمكن مثلاً معرفة إن كان لدى صاحب الهوية ممتلكات عقارية استحوذ عليها قبل عشرين أو ثلاثين سنة؟ وأنّا لنا أن نتعرف إلى سجله الجنائي أو المدني.. إلخ؟!

من الضرورة بمكان البدء بربط البيانات المكدسة في الدوائر والوزارات والمؤسسات بأرقام الهوية الوطنية الخاصة بالأفراد، وبخلاف ذلك، فإن ما حدث مع أم عبدالله من تكرار عمليات التحقق المتعددة وما انطوى عليه من هدر وتعب لا داعي لهما سيظل محل شكوى دائمة.

إن النظرة الواقعية تتطلب الإقرار بأن مشروعاً من هذا القبيل يتطلب مشواراً ممتداً وطويل الأمد من العمل المنسّق والجهد الشامل، الذي تنخرط فيه الدوائر والوزارات والجهات الحكومية الأخرى، وكل ذلك ينبغي أن يكون تحت مظلة حكومة إلكترونية اتحادية فاعلة.

وإذا كان توثيق السجلات الماضية لأم عبدالله، وربطها برقم وطني، وإدخالها في منظومة بيانات إلكترونية موحدة يتطلب هذا القدر من الجهد، فما بالك بتوثيق السجلات الماضية والمتشعبة لملايين الأشخاص الذين يعيشون في الدولة، وبما يشمل متعلقاتهم وممتلكاتهم ابتداء من مجيئهم إلى الحياة (إن كانوا من مواليد الإمارات)؟! إنه مشوار طويل حقاً.

ولكن، هل يعني طول المشوار الاستنكاف عن الشروع فيه أو تأجيله؟ بالقطع لا.

على العكس من ذلك؛ المطلوب أن نبدأ من الآن، وبلا تأخير، للوصول إلى قاعدة البيانات المترابطة على المستوى الوطني، وعلينا ألا نتوقع نتائج سريعة، فحصاد مثل هذه العملية يتطلب سنوات وسنوات، لكنه عندما يأتي سيكون حصاداً تاريخياً بكل ما في الكلمة من معنى، لأنه سيجعل حياة العديدين من أمثال «أم عبدالله» وغيرها أسهل بكثير، وعندئذٍ سنكون بالفعل قد جعلنا من دولة الإمارات واحدة من أفضل الدول في العالم.

إننا مقبلون على استحقاق كبير يبعد عنا مسافة 11 عاماً، يتمثل في تحقيق رؤية الإمارات 2021، فهل سيحمل يوبيل الإمارات الذهبي بشائر إنجاز الربط الحكومي الشامل أفقياً وعمودياً؟ وهل يكون ذلك يوم تندمج قواعد البيانات المحلية بشكل كامل مع تلك الاتحادية تحقيقاً لعناصر الرؤية الوطنية التي تقضي بأننا جميعاً متحدون في المعرفة والمسؤولية والمصير والرخاء؟

مدير عام الهيئة العامة للمعلومات

salem.alshair@gmail.com