رغم تأثير الأزمة المالية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة التي تعتبر المصدر الأساسي للدخل الحكومي الروسي، إلا أن الحكومة لم تقلص من ميزانيات الدفاع كما فعلت مع ميزانيات التعليم والتأمين الصحي، بل زادت النفقات العسكرية بنسبة 4,3 بالمائة.

وكان واضحا أن البنود التي تضخمت في النفقات العسكرية لم تكن المخصصة لسكن العسكريين أو معاشاتهم، وإنما ازدادت نفقات التسليح ونشر القوات العسكرية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر ازدادت حصة النفقات المخصصة لدعم معاهدة الأمن الجماعي بحوالي 17 ضعفا، إذ تتحمل روسيا القسط الأكبر في تمويل مشروع تشييد قاعدة عسكرية تابعة لهذه المعاهدة في قرغيزيا. ناهيك عن تحملها الجزء الأكبر في نفقات تسليح قوات الانتشار السريع التابعة لدول الأمن الجماعي.

ولم يقتصر الأمر على مناطق بلدان رابطة الدول المستقلة في آسيا الوسطى، وإنما رصدت ميزانية لتشييد قاعدة عسكرية في آوسيتيا الجنوبية وقاعدة بحرية في ابخازيا وفق اتفاقيات الدفاع المشترك الموقعة مع هاتين الجمهوريتين. بالإضافة إلى أن ميزانيات الأعوام القادمة سيضاف عليها بند سداد إيجار قاعدة أسطول البحر الأسود للحكومة الأوكرانية والتي ستصل إلى قيمة إجمالية تقدر بحوالي 40 مليار دولار.

وفى هذا السياق بدأت المؤسسة العسكرية مباحثات مع الحكومة الكوبية لتوسيع التعاون العسكري بهدف إحياء التواجد العسكري الروسي، حيث تتمحور هذه المباحثات حول إمكانية الحصول على الخدمات الفنية لمنظومات الدفاع الجوي والرادارات الروسية «ب-18» و«ب-19» التي كانت تستخدم في الماضي لرصد الطائرات الأميركية التي تنطلق من ولاية فلوريدا الأميركية، وإعادة تشغيل «مركز الاستطلاع الإلكتروني» في كوبا الذي تم إيقاف عمله في عام 2001. ومن غير المستبعد أن يتناول هذه الحوار الدائر تأهيل الموانئ الكوبية لاستقبال السفن العسكرية والغواصات الروسية في كوبا.

ومن المتوقع أيضا أن يتوصل الرئيس ميدفيدف خلال زيارته إلى دمشق لاتفاق حول قاعدة طرطوس العسكرية، بعد أن تم تحديثها وإعدادها لتكون مركز صيانة وتموين للسفن الحربية الروسية.

ولم تقتصر خطط المؤسسة العسكرية على استعادة قواعدها خارج الأراضي الروسية، وإنما امتدت لتشمل تحديث وتطوير القدرات القتالية لمختلف قطاعات القوات الروسية.

إذ ستحصل قوات الدفاع الفضائي خلال الأعوام القادمة على أحدث أنظمة الأسلحة الصاروخية. من أهم هذه الأنظمة أنظمة الدفاع الجوي القصيرة المدى «مورفي»، والمتوسطة المدى «فيتياز»، و«فافوريت» (س ـ 400) و(س ـ 500). كما سيتم تزويد القوات الروسية خلال هذا العام بفوجين من أنظمة «س ـ 400» الصاروخية المضادة للجو.

وقد بدأت هيئة الأركان الروسية في تنفيذ خطة تتضمن تسليح غواصة الجيل الرابع الحديثة الذرية «يوري دولغوروكي» بمنظومة صواريخ «بولافا ـ أم» مع رؤوس نووية فردية التوجيه قادرة على تدمير أهداف على بعد 8 آلاف كيلومتر.وتنوي القيادة العسكرية وضع فوج صواريخ إستراتيجية «ر س ـ 24»، مزودة برؤوس انشطارية في حالة التأهب القتالي في أواخر هذا العام.

باختصار وكما يبدو واضحا أن حالة من الاستعداد لتكثيف الحماية العسكرية على الحدود الروسية، وتطوير قدرات وأداء القوات الروسية قد بدأت تسيطر على عمل وزارة الدفاع الروسية.

ويبدو واضحا أن مساعي القيادة الروسية تصب في إطار إيجاد وسائل لمواجهة مشروعات واشنطن الخاصة بنشر صواريخ في أراضي أوروبا الشرقية وبالقرب من الحدود الروسية.

وبالرغم من تأكيدات العسكريين الروس بأن هذه المنظومة الأميركية لن تشكل خطرا على الأمن القومي الروسي. ما يعني أن الوضع لا ينطبق تماما مع التصريحات الرسمية. خاصة وأن رادارات المنظومة الأميركية ستكون قادرة على كشف أغلبية المواقع الروسية الإستراتيجية.

وإذا كانت روسيا لا تستطيع التأثير على الموقف الأوروبي فيما يتعلق بخطط واشنطن لنشر منظومتها الصاروخية، فإن تعثر جهودها السياسية في هذا الإطار، لابد وأن يقابله جهود عسكرية لتجنب الأخطار الناجمة عن تهديد الأمن القومي الروسي، تتمثل في شل هذه المنظومة عبر نشر أسلحتها على أراضيها وفى مناطق النفوذ الواقعة بالقرب من الشواطئ الأميركية.

وهو ما يمكن اعتباره الرد العملي على خطط واشنطن لإقامة حزام أمني حول روسيا من خلال جر بلدان وسط أوروبا ودول البلطيق وأوكرانيا والقوقاز إلى هذا المخطط.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru