ملف المنظومة المشتركة للدفاع المضاد للصواريخ أصبح قضية المستقبل التي يمكن أن تؤدي لاختلال موازين القوى الدولية. وتسوية الأزمة لا يمكن أن تقتصر على إشراك روسيا في الدرع الصاروخية الأميركية، وإنما بداية الحل تعتمد على استقطاب الجهود الروسية والأميركية نحو مشروع دولي لبناء دفاع مشترك مضاد للصواريخ بما في ذلك بمشاركة أوروبا.
ويصعب القول ان حلف الناتو الذي يعتبر المؤسسة العسكرية الغربية المنوط بها الدفاع عن أمن الدول الأوروبية يدرك هذه الحقيقة.
لكن تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي اندرس فوغ راسموسين التي دعا فيها إلى دمج روسيا في منظومة الأمن الأورأطلسي بشكل كامل، ومعتبرا أن التعاون بين الناتو وروسيا في مشروع إنشاء منظومة للدفاع المضاد للصواريخ لحماية المنطقة الأورأطلسية يجب أن يكون من أهم الخطوات والمهمات التي يجب أن تنجزها قيادة الحلف.
ويفسح المجال لحوار حيوي بالنسبة لكافة الأطراف، قد يتمكن من إزالة بعض أوهام المحافظين الغربيين. ولعل حديث راسموسين عن تعزيز الثقة بين روسيا وحلف الناتو، يشكل بداية أساسية لهذا الحوار.
ويمكن أن نتفهم القلق الأوروبي والناجم عن انتشار الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى على أراضي القارة الأوروبية، مثل صواريخ «بيرشينغ» والصواريخ المجنحة المرابطة على الأرض والصواريخ ذات الرؤوس الحربية الانشطارية.
لذا يسود اعتقاد في القارة الأوروبية أنها تتعرض لمخاطر ضربات صاروخية من أكثر من ثلاثين دولة بما فيها إيران، حصلت على صواريخ أو تقوم بتصنيعها. ما يستدعي بالضرورة إنشاء منظومة أوروبية للدفاع المضاد للصواريخ لمواجهة هذه التهديدات. ويرى الخبراء الغربيون أن الدرع الصاروخية الموحدة ستكون أكثر فاعلية إذا شاركت روسيا بمعداتها التقنية. وستتمكن دول الناتو من تحسين الوضع العام للأمن في أوروبا وفي منطقة شمال الأطلسي في حال تعاون الحلف مع روسيا.
وجاء الرد الروسي متضمنا شكوك موسكو في جدية العرض الأطلسي، إذ أعلن لافروف وزير الخارجية أن العمل المشترك بين روسيا والناتو في إنشاء منظومة دفاع صاروخية يجب أن يبدأ بتحليل الأخطار الصاروخية بصورة جماعية وبلورة مواقف مشتركة بصدد كيفية التصدي لهذه المخاطر، وأشار إلى أنه يتم إعداد خطط للتعامل مع هذه الأخطار دون مشاركة روسيا، ما يثر تساؤلا حول جدية الطرف الأوروبي.
وكانت موسكو قد عرضت على الدول الأوروبية والولايات المتحدة منذ عدة سنوات إنشاء منظومة عالمية للدفاع المضاد للصواريخ كبديل عن الدرع الصاروخية الأميركية لحماية أمن أوروبا، وعرضت روسيا الاستفادة في هذه المنظومة من تقنياتها العسكرية القادرة على نشر منظومات دفاعية قادرة على مواجهة الصواريخ البالستية المتوسطة والقصيرة المدى، التي تحلق لمسافة تتراوح بين 500 و5500 كم، ولا تزيد سرعتها القصوى على 5كم/ ثانية.
ودعا فلاديمير بوتين (رئيس روسيا آنذاك) لانجاز هذا المشروع من خلال المجلس المشترك بين روسيا والناتو. وقد أخذ المقترح الروسي بعين الاعتبار أن خطر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ذات مدى ألف كم وأكثر يشكل تهديدا لأمن القارة الأوروبية بعد أن أصبحت متوفرة في ترسانات العديد من دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
إلا أن الدول الأوروبية تجاهلت هذه المبادرة، ولم تتعامل معها. وبقيت الأزمة مشروع واشنطن الخاص بنشر درعها الصاروخية المسيطرة على أجواء الحوار بين روسيا والناتو حول هذا الملف. ولم يكن مفهوما سبب التجاهل الأوروبي للمقترح الروسي، خاصة أن هذه الدول التي ستكون الخط الأمامي في مواجهة أي صواريخ بالستية ستطلق من هنا أو هناك؟
وقد يكون موقف الناتو الأخير له علاقة بتنامي النفوذ الروسي في أوروبا، وحجم التعاون بين موسكو وأوروبا القديمة مثل فرنسا أو ألمانيا أو ايطاليا، والتي تحرص على بناء صلات وثيقة وقوية مع روسيا.
ولابد من أخذ بعين الاعتبار أن هذه الدول بما لها من ثقل ونفوذ في القارة الأوروبية تعتبر أن أمن القارة الأوروبية ضمن أولوياتها الرئيسية.خلافا لمواقف دول أوروبا الجديدة التي تسير في تحت المظلة الأميركية، وتطالب بنشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها بدلا من البحث عن سبل تضمن أمن القارة الأوروبية. ما يثير التساؤلات حول إمكانية التوصل لتفاهم بين روسيا والناتو.
كاتب روسي