الاحتفاء الإسرائيلي باليوم الثاني والستين لقيام الدولة اليهودية في فلسطين، جاء هذا العام مكتظاً بشكوك لا حصر لها. بعضهم كالكاتب الإسرائيلي آري شافيط وصف مناسبة الذكرى بالسنة الكئيبة، وآخرون مثله ذهبوا مذهب التشاؤم على مصير دولة تجد نفسها الآن ضمن شبكة هائلة من الزوايا الحادة.
قبل فترة لم يكن يعقوب شاريت- وهو ابن ثاني رئيس حكومة وأول وزير خارجية لإسرائيل موشي شاريت- أتياً بخطب جلل عندما أعلن في كتاب له صدر مؤخراً عن «وفاة دولة اليهود». كثيرون قبله تحدثوا عن إسرائيل بوصف كونها دولة ولدت، وعاشت، وستموت، وهي بعد في طور التكوين. سوى أن اللايقين الإسرائيلي الذي يعود إلى لحظة تأسيس الدولة. يصل هذه الأيام إلى درجة الذروة. خصوصاً حين يتعلق الأمر بموضوع الهوية الإجمالية للدولة.
من جهته، كان ناحوم غولدمان يلتذ بأطروحته الشهيرة التي كانت ترى «أن عدم اليقين هو حالة إسرائيلية دائمة... وأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تستمد وجودها من الحقيقة، بل من الفكرة، ولا من الوضع الواقعي بل من أمل اليهود وإيمانهم».
أطروحة غولدمان هذه لا تزال إلى اليوم تقيم المفارقة المحيّرة بين ضرورتين: ضرورة الجغرافيا كوعاء سياسي واقعي نشأت فيه دولة إسرائيل ونمت، وضرورة الأيديولوجيا الصهيونية التي ترى إلى الأرض بوصفها واقعاً مفتوحاً على اللامتناهي الأمني.
قبل قيام الدولة كان السجال بين النخب اليهودية ينبسط على المساحة التي تفصل بين شطري هذه المفارقة. فالرغبة الصهيونية بتوطين اليهود في فلسطين، لازمتها الرغبة في عدم الإغلاق على الفكرة الأصلية حول الوطن اليهودي الموعود.
المنطق التاريخي الذي حدّده ديفيد بن غوريون لدولة اليهود هو نفسه اليوم، وإن بشكل غير معلن. لقد كان كل شيء، بالنسبة إليه، أمراً مؤقتاً فلا تحسمه إلاّ الحروب. وكان يقول: «إن الحدود التي ستتوقف عندها كل حرب مع العرب ستصبح حدود البلاد. ولذلك فإن ما سيتم الاستيلاء عليه، وسط عاصفة القتل، سيبقى في أيدينا. والمكان الذي لن تصل إليه أقدام جنودنا سيكون موضوع حسرة على مدى الأجيال...».
ذلك يحملنا على القول إن عدم الاستقرار في الهوية الجغرافية هو سمة وجودية للدولة. فإلى كونه يلبي حاجة إيديولوجية، فهو يمنح إسرائيل شحنة من الذرائع، في طليعتها توظيف عامل الاحتلال للإبقاء على مبدأ التفوق الاستراتيجي.
وإذا كان احتلال الأرض العربية في العام 1967 قد أدخل نظرية الاحتلال والتفوّق في ميدان التطبيق الفعلي، فإن تداعيات هذا الاحتلال، في خلال الأحقاب التالية، أدت إلى إعادة إنتاج هذه المقولة بطريقة لا تبدو معها كحقيقة قابلة للحياة.
في خلال العقدين الأخيرين، وتعييناً بعد حرب لبنان تموز (يوليو) 2006 وحرب غزة في كانون أول (ديسمبر) 2008 ستنتقل مقولة الاحتلال كمعادل للإيديولوجي اللامتناهي، لتتموضع في منزلة مغايرة للتقليد السياسي الإسرائيلي. وفي هذا المعنى، يكون هذا التطور قد نقل إسرائيل من طور التفكير في الكليات السياسية الإيديولوجية إلى طور أشد قرباً من التفاصيل والحسابات الدقيقة.
ملامح التطور السلبي في الاجتماع السياسي الإسرائيلي أخذت مداها منذ العام 2001. وأظهر الإسرائيليون، على اختلافهم وتنوع تياراتهم، قلقاً بيّناً أخذ يتضاعف مع الوقت حيال الآثار الجيو-ستراتيجية لتطورات ما بعد احتلال أفغانستان والعراق. ذلك أن التراجع عن الأرض التي تفترضها مفاوضات السلام حتى لو جاء على شكل إعادة انتشار في غزة والضفة الغربية، عُدّ خرقاً للجدار الإسمنتي الهائل الذي أقامته الإيديولوجيا الصهيونية حول «أرض إسرائيل للعظمى».
لقد أطلق السلام، في حيّزه الإسرائيلي، أسئلة لا قبل للدولة اليهودية بها. فقد وضعت المفاوضات مقولة الاحتلال على خط المساءلة بين تيارات المجتمعين السياسي والعسكري في إسرائيل. فقبول إسرائيل الالتزام بقراري مجلس الأمن 243 و338 قاعدة السلام يعني نظرياً الالتزام بمبادلة السلام بالأرض: أي التخلي عن جغرافيا الاحتلال في الضفة وغزة والجولان وجنوب لبنان. وهو الأمر الذي رفع حرارة السجال الإسرائيلي إلى مقام الاستراتيجيات العليا.
فكان الاصطدام بين نظرية الاحتفاظ بالأرض، كمجال حيوي استراتيجي لأمن إسرائيل، وبين نظرية إسرائيل الصغرى أمراً لا مناص منه. إن هذا التصادم بين مفهومين شديدي التناقض، أدى إلى هبوط وتراجع جملة مقدسات سياسية، في مقدمها تصدع «الإجماع القومي» واهتزاز المرجعية الإيديولوجية، وبدء تاريخ إسرائيلي جديد، عنوانه الأساسي التشكيك في إمكان الاحتفاظ بالدولة كما حدّدها المشروع الصهيوني الأصلي.
واقع الحال أن إسرائيل تعيش الآن على آثار مقولة الاحتلال التي بلغت حدّ الإشباع. فمفهوم التوسع، خارج ما يُسمى إسرائيل الصغرى، لم يعد حقيقة إيديولوجية قابلة للتنظير، مثلما لم يعد حقيقة سياسية قابلة للتطبيق. هو مفهوم آيل إلى النكوص والانكفاء. بل يبدو كأنه انكفأ إلى الداخل معبراً عن نفسه بحركة الاستيطان المفتوح على الحدود القصوى من التشدد الأيديولوجي.
ربما كانت الصورة المدوية التي يعكسها السجال بين واشنطن وتل أبيب اليوم، هي التمثيل العميق للوضعية المفارقة بين الرومانسية المستأنفة لحكومة نتنياهو والحقائق الواقعية التي تملأ سماء الشرق الأوسط بأسئلة كبرى تبدو عصية على الإجابة.
رئيس تحرير «مدارات غربية»
