بدأ البرلمان التركي في مناقشة تعديلات دستورية اقترحها حزب العدالة والتنمية الحاكم وتواجه برفض شديد من المعارضة، وتسعى حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للحصول على تأييد النواب لإجراء استفتاء بشأن هذه التعديلات في يوليو المقبل في ظل افتقارها لأغلبية الثلثين لتمريرها داخل البرلمان.
ويرى حزب العدالة والتنمية التعديلات الدستورية ضرورية لتعزيز الديمقراطية في تركيا، ولزيادة فرص أنقرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذه الإصلاحات تغيير الطريقة التي يعين بها القضاة في المحاكم العليا، وتجعل من الصعب حظر الأحزاب السياسية، مع إمكانية مساءلة العسكريين أمام محاكم مدنية.
وتوجد صعوبات بتمرير التعديلات الدستورية، لكون الحزب الحاكم يحتاج إلى 367 صوتا من اجل تمريرها، وهو ما لا يملكه حتى لو أضيفت له أصوات بعض الأحزاب الصغيرة والمستقلين. لذلك يسعى الحزب للحصول على 330 صوتا لعرض مشروع التعديلات على استفتاء شعبي بعد توقيع الرئيس عبد الله غل عليه.
على الجانب الآخر فان أحزاب المعارضة الرافضة للتعديلات الدستورية تهدد بأنها في حال نقلها للاستفتاء الشعبي، باللجوء إلى المحكمة الدستورية للطعن بمشروعية الاستفتاء أو حتى التعديلات المطروحة.
كما أنها هددت باللجوء إلى المدعي العام لرفع دعوى لحظر حزب العدالة والتنمية بدعوى مساس التعديلات التي يطرحها بالأسس التي قامت عليها الجمهورية منذ عهد كمال أتاتورك.
وتقول المعارضة في انتقادها لتلك الإصلاحات، إنها تجرد السلطة القضائية من دورها المتعلق بتوفير الضوابط والتوازنات في الحكومة، كما أن هناك مخاوف من سيطرة أعضاء حزب العدالة والتنمية على دوائر المحكمة العليا بعد إجراء التعديلات الدستورية.
وإضافة إلى الطريق السابق الإشارة إليها لمواجهة التعديلات أعلن حزب الشعب الجمهوري المعارض ذو التوجهات العلمانية، انه يعكف على صوغ مسودة بديلة للتعديلات الدستورية التي اقترحها حزب العدالة والتنمية الحاكم. وتشمل هذه التعديلات المقترحة رفع الحصانة عن النواب، وخفض العتبة البرلمانية لتمثيل الأحزاب من 10 إلى 5% من مجموع أصوات الناخبين، إضافة إلى تركيبة جديدة لهيئة القضاة تختلف عن تلك التي اقترحها الحزب الحاكم.
ويقول الحزب أن التعديلات التي ينوي طرحها في مقابل تعديلات العدالة والتنمية لتأكيد أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على القضاء، من خلال هذه التعديلات، وانه إذا كان الهدف الحقيقي هو توسيع دائرة الديمقراطية كما تقول الحكومة، فلماذا ترفض رفع الحصانة عن النواب وخفض العتبة البرلمانية وتعديل قانون الأحزاب السياسية، كما يطالب الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.
ونظرا لان استطلاعات الرأي تؤكد وجود دعم شعبي لهذه التعديلات، حيث تظهر تأييدا يتراوح بين 65% و70% للإصلاحات حسب تصريحات لوزير الداخلية الذي لم يشر إلى مصدر الاستطلاعات أو الجهات التي أشرفت عليها، فان هناك توقعاً لان تلجا المعارضة إلى المحكمة الدستورية للطعن فيها.
وهناك احتمالات كبيرة لان تتلكأ المحكمة في نظر الطعن أو البت فيه حتى شهر يوليو المقبل بما يحرم الحكومة من فرصة إجراء الاستفتاء لان الدستور التركي يمنع إجراء أي نوع من الاستفتاء خلال العام السابق على الانتخابات البرلمانية المقرر لها أن تجرى في يوليو من عام 2011.
وهناك توقعات أخرى بان يرد العدالة والتنمية على هذا الأمر بإعلان إجراء انتخابات برلمانية مبكرة قد تكون في الخريف المقبل.
وهذا الأمر يؤكد أن حزب العدالة والتنمية وان كان هو المتحكم في العملية السياسية في الوقت الراهن، وهو الذي يملك تحديد جدول الأعمال السياسي في نفس الوقت إلا أن ذلك لا يمنع من القول أنه يواجه مأزقا في الوقت الراهن بالنظر إلى أن المغامرة التي يمكن أن يقدم عليها قد تؤدي إلى تعديل قواعد اللعبة في غير مصلحته.
لأنه حتى ولو كانت نتائج الاستطلاعات المشار إليها صحيحة، فان نتائج الانتخابات المقبلة غير مضمونة للعدالة والتنمية، بما يعني أن أوضاع ما بعد هذه الانتخابات يمكن أن تكون مختلفة جذريا عن الأوضاع فيما بعدها بما يسبب مشكلات للعدالة والتنمية ويفرض عليه استطلاعات كبرى.
وهنا لابد من الإشارة إلى موقف المؤسسة القضائية من هذه التعديلات حسبما أوضحه رئيس المحكمة الدستورية هاشم كيليتش الذي أعرب عن خشيته من أن تضطر المحكمة إلى البت في إصلاحات قضائية مزمعة من شأنها أن تثير توترا في العلاقات بين الحكومة ذات الميول الإسلامية والمؤسسة العلمانية.
ونقلت عنه صحيفة تركية قوله إن تركيا بحاجة لإصلاحات دستورية جدية، لكن ذلك يجب أن يتم من خلال توافق واسع.
وأضاف : «ستحقق تركيا إن آجلا أو عاجلا هدف أن تكون دولة القانون والديمقراطية، لكننا نتقدم على هذا الطريق بأفدح الأضرار».
وهذه التصريحات تعني أن المؤسسة القضائية تعارض هذه الصيغة من التعديلات الدستورية، وان هذه التعديلات سوف تحدث أزمة بين النخبتين العلمانية والإسلامية.
ولا يخفي أنصار الاتجاه الأول شكوكهم حول أن العدالة والتنمية الذي اختاره الناخبون لأسباب سياسية واقتصادية قبل أن تكون الأسباب الثقافية المتعلقة بهوية الدولة، يريد أن يستغل الأغلبية البرلمانية التي يتمتع بها من اجل القضاء على أركان الدولة العلمانية خطوة خطوة وبالتدريج، وهو الأمر الذي لابد وان يستغل ضده في الانتخابات المقبلة حتى ولو كانت مبكرة.
وفي كل الأحوال فان الصراع الحالي بين الجانبين الإسلامي والعلماني هو الذي سيحدد مستقبل تركيا سواء فيما يتعلق بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو فيما يتعلق بهوية الدولة نفسها.
كاتب مصري
ksrgany@hotmail.com
