القوة الناعمة للدولة من المصطلحات الجديدة في السياسة الدولية طرحه «جوزيف ناي» مساعد وزير الدفاع في عهد إدارة بيل كلينتون وهو مصطلح مقابل أو مكمل للقوة الخشنة أو القوة القاسية وهي القوة العسكرية التي استخدمتها الدول الكبرى خاصة في تحقيق أهدافها.

وعلى الرغم من أهمية ذلك في الحفاظ على مكتسبات الدولة وحدودها واستقلالها إلا أن إهمال استخدام الدولة لقوتها الناعمة قد يقلل من تأثير قوتها العسكرية.

وفي تقديري أن القوة الناعمة للدولة تكمن في قدرة الدولة على تقديم نفسها كنموذج جاذب ومؤثر ثقافياً وسياسياً على مستويات متعددة. من هنا فمهما بلغ اعتماد الدول في تحقيق أهدافها على منطق القوة إلا أن هناك بعض القضايا لا يمكن أن تحل إلا بقوة المنطق..

والقوة الناعمة ترتبط في رأي بتحقيق شوط كبير من النمو الاقتصادي والإصلاح السياسي وإيجاد حالة من الوئام الاجتماعي داخل حدود الدولة فضلاً عن دورها خارج الحدود المتمثل في حضورها الدولي وقدرتها على التأثير في السياسة الدولية دون إجبار ولكن بالإغراء والجذب.

ولاشك أن دولة الإمارات حققت مكانة فريدة ضمن أكثر دول العالم تقدماً في مجال التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية ونجاحها في تحقيق مجموعة رئيسية من الأهداف التنموية للألفية التي حددتها قمة الأمم المتحدة خاصة فيما يتعلق بتمكين المرأة وتوظيف الموارد وتحسين الظروف الاجتماعية والبيئية ومكافحة الأمية وتفعيل الشراكة العالمية.

بل إن برنامج الأمم المتحدة للتنمية في تقريره العالمي عن التنمية البشرية؟ أكد تقدم دولة الإمارات في عملية تمثيل النساء في برلمانها وبنسبة تتعدي 22% على دول عريقة برلمانياً مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا وفرنسا.

وصنف التقرير دولة الإمارات الأولى في هذا المجال عربياً وفي المرتبة الرابعة والعشرين ضمن مجموعة دول التنمية البشرية البالغ عددها سبعين دولة على مستوى العالم..

كما حافظت على ترتيبها في مؤشر الشفافية الدولية لمحاربة الفساد الاقتصادي لعام 2009 بعد أن استقرت عند المرتبة 35 بين 188 دولة.. وجاءت في صدارة الدول العربية من حيث النزاهة بحسب التقرير الصادر من منظمة الشفافية الدولية.. وكفلت الإمارات الحقوق الأساسية لكل فئات المجتمع وتعزيز الأمن الاجتماعي من خلال استراتيجيات اجتماعية شاملة.

هذه البنية السوية للدولة جعلت منها حاضنة للإبداع وجاذبة للمبدعين في كل المجالات من كل دول العالم مما يعتبر استفتاءً معلناً يتجاوز كل التقارير التي تصدر عن المنظمات الدولية والتي تؤكد أن الإمارات أكثر دول العالم جذباً للكفاءات التي ساهمت، بما أتيح لها من مناخ صحي ورضاء نفسي ووظيفي، في مسيرة التنمية لدولتنا..

والمتتبع للتاريخ يرى أن الأمم العظيمة هي التي تمتعت دوماً ببيئة جاذبة غير طاردة تستقطب كل مبدع وتساعد كل متميز أن يخرج ما لديه سواء في الفكر والفن والثقافة والعلوم فضلاً على أن الحضارة الإنسانية برمتها قامت على أساس تلاقح الأفكار بين مختلف الثقافات.

إلا أن كل ما سبق لم يمنع القيادة السياسية الرشيدة لدولتنا الفتية من التفكير دوماً في وجوب تحمل المواطن لنصيبه من المسؤولية في بناء وطنه بل واعتبار تطوير وصقل مهارات الكوادر البشرية المواطنة من صلب اهتمامات وأولوية الحكومة.

وأكدت ذلك في العديد من المناسبات انسجاماً مع رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة التي تؤكد «ان مقاصد استراتيجيات المستقبل لن تتحقق من دون برامج حقيقية لتطوير قيادات وطنية شابة قادرة على ممارسة المسؤولية وتحملها»؟ مشيراً إلى أن استراتيجية الحكومة تنطلق من رؤى واضحة وأهداف واقعية تؤسس لمرحلة جديدة غايتها الإنسان.

وأكد هذا أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في إعلان استراتيجية الحكومة حين قال «إن المواطن كان ومازال محور سياسات ومشاريع الدولة وقيادتها الرشيدة ولم تتأخر الدولة يوماً عن بذل كل الجهود والإمكانات المتاحة لتنمية مجتمع وإنسان الإمارات».

ولم يكن ذلك تنظيراً فلسفياً ولكن رأيناه واقعاً عملياً في كتائب التنمية التي نراها من خلال برامج إعداد القيادات والتي تزداد يوماً بعد يوم وتوجيه القيادة الرشيدة بالاعتماد على الكفاءات المواطنة في كل المجالات مما يبعث برسالة فحواها ثقة القيادة بكفاءة الشباب وقدرتهم على حمل الراية ومواصلة مسيرة الظفر التي بدأها الآباء المؤسسون ورووا غراسها بالعرق والدماء.

ولاشك أن تفجير طاقات الشباب باعتبارهم عمود النهضة والدفع بهم إلى الصفوف الأمامية واكتشاف المواهب المتميزة كي تتقلد المناصب القيادية يمثل رصيداً إضافياً للقوة الناعمة لدولتنا الذي تحرص عليه القيادة ونحن معها.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com