خلال الأربعين عاما الماضية، طرأت تطورات مهمة على المجتمع العربي، تركت أثارا مهمة على فكرة القومية العربية والحركة القومية كان بعض هذه الآثار إيجابيا، أي من شأنه تقوية الفكرة وحفز الحركة القومية. وبعضها سلبيا كان من شأنه أن يضعف هذه الحركة ويفت في عضد مؤيديها والمتحمسين لها.
من العوامل الايجابية ما حدث من نمو في حجم الطبقة الوسطى. إني أقدر حجم الطبقة الوسطى في معظم البلاد العربية بما لا يقل عن ثلث السكان. هذه النسبة هي نحو ضعف حجمها النسبي عندما رفع عبد الناصر شعار الوحدة في منتصف الخمسينات، وأكثر من ثلاثة أمثال حجمها النسبي في أيام الثورة العربية سنة 1916، وأكثر من عشرة أمثال حجمها النسبي عندما شرع محمد علي وابنه إبراهيم في تكوين إمبراطوريتهما العربية.
إن حجم الطبقة الوسطى لم يكن ذا شأن يذكر في مشروع الوحدة العربية في التجارب القومية الثلاث السابقة، عندما كانت فكرة التوحيد فكرة نخبوية تأتى من علٍ، ولا يعبأ الحاكم كثيرا بما إذا كانت تحظى بتأييد كبير من الجماهير أو لا تحظى به.
ولكن ليس من الممكن في رأيي الآن، تجاهل حجم الطبقة الوسطى وخصائصها في محاولة التنبؤ بمدى نجاح أو فشل حركة جديدة تقوم اليوم أو في المستقبل لتوحيد العرب، أو لتحقيق آمالهم كأمة.
إن من الصعب أن نتصور الآن، أكثر مما كنا في أي وقت مضى، حاكما عربيا يقود حركة لتحقيق الوحدة العربية دون أن يستند إلى تأييد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى العربية، أو على الأقل لا يصادف مقاومة منها.
إني أقول هذا لا لأني أرى معظم البلاد العربية أكثر ديمقراطية مما كانت منذ خمسين أو مائة عام، ولكن لمجرد أن أي خطوات يمكن أن تتخذ للتعاون الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي، تتطلب الآن، أكثر مما كانت تتطلب في الماضي، نشاطا إيجابيا من المجتمع المدني، وهذا النشاط يضطلع به في الأساس أفراد وجمعيات ونقابات تنتمي إلى الطبقة الوسطى.
هذه الطبقة الوسطى التي يجب أخذها في الاعتبار، تضم الآن نسبة من المتعلمين أكثر بكثير مما كانت في أي وقت مضى، ولديهم قدر من المعرفة بالبلاد العربية الأخرى يفوق بكثير معرفة أقرانهم منذ خمسين عاماً، (ناهيك عن معرفة أقرانهم منذ مائة أو مائة وخمسين عاماً) ربما اكتسبوا هذه المعرفة بالبلاد العربية الأخرى عن طريق التجربة المباشرة بالإقامة عدة سنوات في إحدى البلاد المنتجة للبترول، أو عن طريق السياحة أو التليفزيون والأقمار الصناعية.
لقد قيل مرة عن تجربة عبد الناصر في الحركة القومية أن إذاعة صوت العرب كان لها دور مهم في تعبئة الجماهير لصالح الوحدة، ولا يوجد الآن من وسائل الإعلام العربية ما يعبئ حماس الناس للوحدة ولكن من المؤكد أن وسائل الإعلام العربية خلال الأربعين عاما الماضية.
بالإضافة إلى حركة العمالة المهاجرة والسياحة، قد زادت بدرجة ملحوظة معرفة أهل كل بلد عربي بعادات ولهجات البلاد العربية الأخرى، مما يمكن أن يسهل حركة جديدة للتوحيد ويدعمها.
لا يقل عن ذلك أهمية، نمو مصالح تجارية ومالية في كل بلد عربي تحبذ مزيدا من التعاون والتقارب، من النوع الذي حفز الحركات القومية في أوروبا في القرنين الماضيين، ولم يكن له وجود بأي درجة ملموسة في تجارب الوحدة العربية الثلاث السابقة.
كل هذه التطورات إيجابية، من حيث مستقبل القومية العربية، ولكن علينا أن نعترف بتطورات أخرى مهمة، في المجتمعات العربية نفسها، وذات أثر سلبي للغاية، وهو ما نتناوله في المقال القادم.
كاتب مصري
sgsaafan@aucegypt.edu