منذ ابريل 2003 والى هذه اللحظة لم يتوقف الموت في العراق، سبع سنوات كان العراق فيها الفيلم الدامي الذي لا يستطيع حضوره البالغون، مر القهر في مراحل، ومر معه العلقم المر، تفسخ في ايامه اللحم العراقي في الطرقات، انتفخ وفاحت رائحته، تعفن، عاثت الوحوش الكاسرة فوقه ومن حوله فسادها وشرها وجرمها.

ولعبت الثعالب الماكرة أشهر خدعها وملأت ساحاته فسادا بمكرها، صرخ الطيبون والطيبات في الأفاق لرد وردع الشر، تلاقت قلوب عراقية على المحبة والألفة من اجل العراق، وتلاقت قلوب عراقية على الموت، تصالح بعض الخصوم الأجانب والأجانب من اجل العراق، وتنافر الخصوم العرب والعرب من اجل العراق، واشتد طحان الافتراق والاقتراب من اجل العراق.

لاح الفرح مرة.. ابتسم العراق وتمايلت نخيلة في هدأة الصباحات والمساءات اللذيذة بطعم «شاي الضحى».. غنت قصائد السياب اغنياتها من جديد .. مرة في غفوة الشر، انفرجت اساريرنا نحن «الغلابة» الذين نرقب الموت والحياة فيه عن بعد.. صلى من صلى ودعا من دعا أن ينهض ابوالفرات وتاريخ بابل وسومر..

منذ ابريل 2003 يوم الاجتياح المشؤوم، والى اليوم ونحن من على البعد نعد الكبوات والصحوات ونرقب الأمل المخبأ في أزقة العراق وفي صدور العراقيين، ومعه شبح الموت يسيران في طريق واحد ملتصقان لا ينفكان، يدفعان لمزيد من الحيرة ومزيد من الأسى.. نرقب من على البعد، نقول مع الرواة وأصحاب الأمثال الشعبيين ما تقوله الأمثال الشعبية.

في أن هذا سينتهي، سيمل الشر من شره، سيغير الشر مساره ومسيره عن العراق ذات يوم ولو لمرة، سيتعب الموت من الموت وستتورم الأصابع التي تضغط على الزناد، ستتورم وتنتفخ وتتقيح وتتعب.. تتعب ولن تقوى على المزيد من الحركة، ستتجمد، سيقتلها القتل نفسه..

تأملنا في أي شيء يمكنه قتل القتل، يمكنه سد نافورة الدم، أي شيء يفعل أي شيء كي لا يأتي الخبر اليومي من اتون العراق كما يأتي كل يوم ولو لمرة.. تأملنا أن تحدث معجزة لا بيد الأجانب ولا بيد العرب ولا بيد العراقيين.. معجزة تطفيء هذا التنور الذي يطاير الجماجم من داخله، كما يطاير البركان حممه.

حينما جرت الانتخابات الأخيرة كنا ثلاثة أصدقاء نجلس بلا شاغل، تحضننا التفاهة بدفئها.. أردنا أن نشعر أننا مهمون، ولوجودنا معنى، فتحنا موضوع انتخابات العراق، تحدثنا كعباقرة في علوم السياسة والانثربولوجيا.

وتجاوزنا حدود المنطق وأدرنا الرياح لصالحنا، عصرنا جماجمنا كما تحصر حبات الليمون فرسمنا لوحة جميلة للعراق، تذكرنا ما كتبه عبدالرحمن منيف في ثلاثيته «أرض السواد»، قلنا عنه، كاتب متشائم، لا نحبه، لا نريد أفكاره وإشاراته السوداء ودلالاتها.. العراق «أرض البياض» رغما عن انفه.. انتهينا فاشتعل البارود وتناثرت الجثث واسودت سماء العراق.. تماما مثل صباح الأمس والذي قبله وما كان في الأيام التي سبقت!!

mhalyan@albayan.a