هل كانت خطة إنقاذ البنوك الأميركية ناجحة؟ يجادل تقرير صادر عن وزارة الخزانة، سرب إلى وول ستريت جورنال، بأن تكلفة برنامج إنقاذ المصارف كانت أقل بكثير مما كان متوقعاً ؟ حيث بلغت أقل من مئة مليار دولار، في حين أنها نجحت في إنقاذ النظام المالي العالمي برمته من الانهيار.
ولقد قامت جريتشن مورجنسون، الصحفية المخضرمة في نيويورك تايمز، بالتمحيص في مدى صحة هذا الادعاء من خلال التحليل الحسابي الدقيق.
وأظهرت ان تقرير وزارة الخزانة أخذ بالحسبان تكلفة إنقاذ شركتي القروض الإسكانية العملاقتين فاني ماي وفريد ماك، ضمانات القروض المقدمة من قبل إدارة الإسكان الفدرالية، برامج السيولة المقدمة من بنك الاحتياطي الفدرالي وبرنامج إغاثة الأصول المتعثرة، بتكلفة 750 مليار دولار، والذي يشير بعض مسؤولي الخزانة انه ربما يدرّ أرباحاً في يوم من الأيام.
لكن هذه الحسبة غضت الطرف عن تكاليف كثيرة أخرى ربما تتجاوز التكاليف التي تضمنتها. فالخسائر التي تكبدتها مؤسسة تأمين الودائع الفدرالية، لدى شراء البنوك المفلسة، تقدر بـ 65 ,6 مليارات دولار لقاء الاستحواذ على 43 مصرفاً متعثراً هذه السنة. وما زلنا لا نعرف شيئاً عن التكلفة النهائية للديون الرديئة التي وضعها البنك المركزي في دفتر حساباته.
لكن أكبر التكاليف سيتحملها المواطنون العاملون والاقتصاد الحقيقي. البروفيسور جوزيف ستيجليتز، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، يشير إلى أن نقل الثروة من المدخرين إلى المصارف نتيجة لسياسة المصرف المركزي في إبقاء معدلات الفائدة قريبة من الصفر، ربما تكون أكبر عملية إعادة توزيع ثروات في التاريخ.
فبوسع البنوك جني أرباح كبيرة مقابل ما تدفعه على ودائعها ؟ صفر تقريباً ؟ وما تكسبه من قروضها، خاصة البطاقات الائتمانية حيث يصل متوسط أسعار الفائدة إلى 14 بالمئة وأكثر أحياناً.
والأدهى حتى من ذلك التكاليف المهولة التي لا تفكر الخزانة حتى بحسابها: وهي التكاليف البشرية للركود العظيم. لقد خسر البلد حوالي 5,8 ملايين وظيفة. وخسر ملايين الناس بيوتهم، والحبل على الجرار. وبحسب أحدث تقدير، فإن واحدا من بين كل أربعة مالكي بيوت في أمريكا وجد بيته «تحت الماء»، أي قيمته الحقيقية في السوق أقل من قيمة رهنه الحقيقي. كما تسبب انهيار سوق البورصة في التهام مدخرات وصناديق التقاعد.
وتنقل مورجنسون عن أحد علماء الاقتصاد قوله إن مجموع الخسائر المقدّرة من جراء تراجع النشاط الاقتصادي على مستوى العالم العام الماضي وحده يقدر بحوالي 4 تريليونات دولار. إنها أرقام مخيفة حقاً.
لقد ركزت خطة الإنقاذ المالي على وول ستريت بينما أهملت مصالح المواطن الأمريكي العادي، إذ لم تقدم أية مساعدات حقيقية لمالكي البيوت. كما أن الأعمال التجارية الصغيرة لا تستطيع الحصول على القروض لأن الحكومة عندما أنقذت البنوك لم تشترط عليها إعادة تنظيم أمورها، ولذلك فهي تتجرأ على رفض تقديم قروض جديدة بينما تحمّل الحكومة عبء خسائر أصولها المتعثرة.
وهناك تكلفة إضافية، ربما لا تقل عن التكاليف آنفة الذكر، وهي ان البنوك خرجت من الأزمة أكبر وأكثر نهماً من أي وقت مضى. وها هي قد استأنفت جني الأرباح الفاحشة من جديد، حتى عادت أرباحها لتشكل 30 بالمئة من إجمالي أرباح كل مجموع الشركات في البلد. وعادت البنوك تصرف لمدرائها مكافآت سنوية بالملايين.
والمسؤولين المصرفيين يتحركون على نطاق الواسع؟ حيث عمدوا إلى توظيف أكثر من 125 من أعضاء الكونغرس السابقين وأفراد طواقمهم؟ من أجل حشد الدعم للحيلولة دون تمرير الإصلاحات المالية. وإذا نجحوا في ذلك، فلا بد أن نضيف لتكاليف خطة الإنقاذ المالية الحالية، تكاليف خطة الإنقاذ التالية التي لا شك ستأتي عاجلاً أم آجلاً.
والمواطنون هم من سيدفع الفاتورة في النهاية. فديوننا الوطنية ارتفعت إلى مستويات قياسية.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية