جملة جديدة بعد جملة (ارحل من هنا أيها الغبي المسكين)، تضاف إلى قاموس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، تكشف كيفية تعامله مع المواقف المحرجة والصعبة.

فبينما كان الرئيس الفرنسي يشق طريقه يوم الأربعاء الماضي بين الجموع التي استقبلته أمام محافظة شامبيري للاحتفال بمرور 150 عاماً على ضم إقليم السافوا إلى فرنسا، تقدم إليه شاب فرنسي وصافحه ثم مسح يده التي صافحه بها في سترته. ولم يتمالك الرئيس غضبه وحرجه فواجهه قائلاً: (أنت يا هذا، لا تحاول أن تكون ذكياً)!

وقبل عامين على التقريب وأثناء زيارته للمعرض الزراعي أثارت جملة الرئيس غضباً عارماً واحتجاجاً صارخاً وذلك عندما مد ساركوزي يده لمصافحة أحدهم فرفض هذا الأخير مد يده، فما كان من الرئيس الفرنسي المحرج إلا أن رد اعتباره بنبرة غاضبة قائلاً له: (ارحل من هنا أيها الغبي المسكين)!

المعلقون يرون في رد الرئيس هنا وهناك شيئاً من ضعف القدرة على ضبط النفس في لحظات الغضب. خاصة وإن واحدة من أهم صفات الرئيس يجب أن تكون قدرته على السيطرة على المواقف وعلى تقلباته النفسية في حالة الغضب والإثارة. فرئيس أي جمهورية ينتظر منه أن يدير شؤون بلده سواء في الداخل أو الخارج، بالكثير من ضبط النفس وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، وإلا فإن الأمور سوف تسوء. فكيف برئيس جمهورية بحجم فرنسا؟

الكثيرون لا يحللون جيداً شخصية الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فهو أولاً يعتبر نفسه محسوباً على جيل الشباب، مع أنه بلغ الخامسة والخمسين من العمر. فحيويته ونشاطه وطريقة ممارسة حياته اليومية ـ فهو يهوى رياضة الجري ـ تجعله أقرب إلى جيل هذا العصر منه إلى جيل من سبقوه من رؤساء فرنسا كجاك شيراك وفرانسوا ميتران الذين كانوا يعيشون في مكاتب مغلقة.

ثانياً، لم يخض ساركوزي أياً من الحربين العالميتين الأولى والثانية ولم ينخرط في أي تنظيم من تنظيمات المقاومة ضد الاحتلال النازي، كما هو حال من سبقوه من رؤساء فرنسا، حتى وإن عايش نتائجها بعد مرور عشر سنوات على انتهائها.

بل بالعكس تماماً تأثر وهو في سن 13 من عمره بصيحات ثورة الطلاب والعمال الشباب عامة 1968 في وجه حكومة شارل ديغول وقتها. إي أنه أقرب إلى حماس الطلاب منه إلى حكمة الأساتذة. ونذكر هنا أن ساركوزي نفسه قد درس المحاماة في جامعة نانتير التي اندلعت فيها تلك الثورة الطلابية عام 1968. كما أن واحدة من شعارات الطلاب وقتها كانت: (الخيال يجب أن يحكم).

إن ثورة 68 الطلابية حتى ولو لم تنجح في تحقيق مطالبها، إلا أنها قلبت فرنسا والمجتمع الفرنسي رأساً على عقب. وتحول الانتماء من المثل العليا كالدين والوطن والحاكم إلى مثل جديدة تمثلت في الدعوة إلى التحرر الجنسي والمساواة وحقوق الإنسان. ولا شك أن ساركوزي وفي إطار هذه المثل الجديدة التي تقود جيل الشباب منذ ذلك التاريخ يعبر عما يجول في نفسه ولا يلجأ ـ كمن سبقوه من حكام فرنسا ـ إلى كتمان مشاعره ويطالب بالتحرر ويحارب النقاب.

وبناءً على فورة الشباب بنى ساركوزي أحلامه منذ انتخابه رئيساً لفرنسا بأن يصبح سيد العالم الأول وقرر استبدال صورة فرنسا الهادئة بصورة أميركا الهائجة في هيمنتها، وبفرنسا العجوز في حركتها حتى عهد شيراك بفرنسا الشابة على هيئة زوجته الجديدة كارلا بروني المطربة وعارضة الأزياء المتحررة من القيود القديمة.

ومن فرنسا الدامية أثناء الاحتلال النازي إلى فرنسا التي تهتم بالفن والأزياء وموسيقى الراب، وأعلن منذ يومه الأول في قصر الإليزيه انضمامه إلى معسكر جورج بوش في مكافحة الإرهاب ودعم إسرائيل، ظناً منه أن تدهور صحة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط ونشاطه ستوفر له في القريب العاجل فرصة تحقيق أحلامه بالتربع على عرش العالم بعد أميركا. ولكن خيالاته (قبل) اصطدمت بسرعة بواقع الحال (بعد).

بالرغم من أن مشاغل كرسي الرئاسة في الداخل والخارج لم تثنه عن ممارسته لرياضته المحببه الجري، حتى وإن كبى في أحد المرات وسقط مغشياً عليه وتدهورت صحته.

إنه يواجه اليوم أصعب فترات حكمه، وتقلصت أحلامه إلى أدنى ما يمكن أن يرضى بها حالم مثله ورئيس دولة أمام انحسار شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ انتخابه قبل عامين، ومحاولة إشغال شعبه بقضايا (كحظر ارتداء البرقع) لا تمت بصلة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها بلده والعالم.

إن جملة (أنت يا هذا، لا تحاول أن تكون ذكياً) ليست زلة لسان رئيس جمهورية كما يقال، ولكنه لسان الحال.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com