في مثل هذه الأيام من عام 1948، كان المشهد في فلسطين بالغ التعقيد والاحتقان:الجانب الصهيوني اليهودي بصدد اللمسات الأخيرة في إعداد المسرح لإعلان الدولة بعد أن استكمل جهوزيته المؤسساتية العسكرية والاقتصادية والسياسية.. والجانب الفلسطيني يحاول لملمة مصادر قوته للمقاومة في ظل موارد محدودة في كل شيء تقريبا.

والجانب البريطاني يتهيأ لمغادرة البلاد بعد أن أفلح في بناء أسس الدولة الصهيونية وتقويض المجتمع الفلسطيني. والجانب العربي يتنادى لإنقاذ فلسطين دون أن يقر على رأي حاسم بشأن الكيفية التي يمكنه بها تفعيل هذا التوجه.

المراد أن فلسطين كانت في الشهور الستة مابين صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيمها في نوفمبر1947 وإعلان قيام إسرائيل في منتصف مايو1948 ميدانا، تحلق في آفاقه نذر الفوضى وشؤم الحرب والخراب..

وبالتوازي والتزامن كانت الأروقة الدولية ولاسيما في عواصم صناعة القرار على قمة النظام الدولي مجالا لمناظرات سياسية وقانونية، موصولة بما ينبغي اتخاذه من خطوات تجاه هذه الحالة وما قد يترتب عليها من تداعيات في الحال والاستقبال.

ومما قيل بين يدي هذه الوضعية أن قرار التقسيم لم يكن حكيماً ولا مناسباً لإقرار السلم والأمن في فلسطين وجوارها.. وأن الذين قدروا أن المشروع الصهيوني لاستيطان فلسطين وإقامة دولة لليهود فيها لن يمر دون إرهاق دماء كثيرة ربما كانوا على حق.

كان جورج مارشال وزير الخارجية الأميركية في ذلك الحين أحد أبرز أصحاب هذا التقدير. وتقدم دفوعه في هذا الإطار نموذجاً للرؤية العميقة التي حاولت تجاوز ضغوط اللحظة إلى تبصر المستقبل البعيد. وكانت وجهة نظره التي طرحها في لقاء شبه عاصف مع الرئيس هاري ترومان يوم 12/5/1948 أنه « ينبغي على الولايات المتحدة أن لا تتصرف بوحي من فكرة تقسيم فلسطين، وأن لا تشجع الجانب اليهودي على إعلان دولة من جانب واحد و أن لا تعترف بهذه الدولة إذا ما أعلنت..».

مارشال بما عرف عنه من حنكة وشجاعة قتالية وجسارة أدبية وبعد نظر سياسي ذهب إلى أن رئيسه يميل إلى الجانب اليهودي انطلاقا من اعتبارات انتخابية داخلية، فيما الموضوعية كانت تقتضي اتخاذ موقف يتسق والمصالح الدولية للولايات المتحدة التي يتعارض قيام الدولة الصهيونية معها ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط.

وهو جادل في حضرة ترومان بأن الاعتراف بهذه الدولة الصغيرة سيكلف الولايات المتحدة ثمناً كبيراً من الموارد وربما من الأرواح. وسيضر حتماً بمقام الرئاسة الأميركية بحسبها «سوف تضحي بالأمن الأميركي من أجل أصوات الأميركيين!..».

لم يقتنع ترومان بهذا التحليل، وزعم أن قيام «إسرائيل» سوف يعزز الديمقراطية في الشرق الأوسط وسيؤدي إلى نشوء دولة تساند الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحساسة من العالم..

والأهم أن تأييد إعلانها سيضمن له كتلة كبيرة من أصوات الناخبين اليهود ومحاسبيهم. وهكذا خرج مارشال من اللقاء غاضباً حزيناً ويقال إنه لم يتكلم مع ترومان بهذا الخصوص إلى أن توفي في أكتوبر 1959.

اللافت هنا، أن ترومان وهو يحاجج وزيره أخفى سبباً وجيهاً لتأييده قيام إسرائيل والاعتراف بها ودعمها، وهو أنه كان صهيونياً مسيحياً حتى النخاع. وعندما قدمه زعماء يهود في المناسبات الاحتفالية، واصفين إياه بالرجل الذي ساعد على تأسيس إسرائيل، رد ترومان قائلاً « وماذا تعنون بقولكم ساعد على تأسيس؟!.. إنني قورش، إنني قورش..»، مشبهاً نفسه بالملك الفارسي الذي أعاد اليهود إلى فلسطين من منفاهم في بابل قبل آلاف السنين!.

وبقدر ما كانت الأبعاد الدينية مسؤولة عن انحياز ترومان إلى قيام إسرائيل بغض النظر عن الخسائر الإستراتيجية التي عددها وزيره المخضرم مارشال، فإن الدوائر الصهيونية هاجمت الأخير من منطلقات دينية، فذهبت إلى أن مارشال ليس أكثر من رجل معاد للسامية. ولمن لا يعلم، فإن مارشال هذا كان عبقرية عسكرية وسياسية فذة ويعد بطل الانتصار الأميركي في الحرب العالمية الثانية.

وفي سبتمبر 1939 اختاره الرئيس فرانكلين روزفلت لتولي رئاسة أركان الجيش الأميركي، متخطياً بذلك 32 ضابطاً ممن كانوا أقدم منه وأرفع مقاماً في السلك العسكري. وإليه تنسب الخطة الشهيرة لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية (مشروع مارشال الذي نال عنه جائزة نوبل للسلام عام 1953)..

ومع ذلك فانه ما إن باح برأيه في مسألة من صميم عمله واختصاصه تتعارض مع المزاعم الصهيونية حتى أصبح مجرد «رجل معاد للسامية».

الشاهد في كل حال أنه بعد ثلاثة أيام من لقاء ترومان ـ مارشال، أعلن قيام إسرائيل وبادرت واشنطن إلى الاعتراف بها على الفور. ومنذ ذلك اليوم إلى ساعتنا هذه لم يتوقف مسلسل العنف الدامي في فلسطين وجوارها، ولا تحققت الديمقراطية في الشرق الأوسط ولا تقرر السلم والأمن الدوليان في هذه المنطقة من العالم.

كما بذلت الولايات المتحدة وما تزال موارد وأرواحاً في سبيل الدفاع عن دولة صغيرة ملأت الأرض المقدسة جوراً وعدواناً.. تماماً كما توقع مارشال. ومن المساخر الموصولة بهذا المسلسل أن القوى الصهيونية المعششة في الأروقة الأميركية (والغربية والدولية بعامة) مازالت عاكفة على ضلالها التاريخي؛ الذي يسم كل من يرفع عقيرته ضد إسرائيل وسلوكها الإجرامي بأنه معاد للسامية.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com