في خطابه الأسبوع الماضي لمناسبة العيد الثاني والستين، لقيام دولة إسرائيل استعاد بنيامين نتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية مقولة سابقة كان أطلقها مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، الذي أطلق عليه نتانياهو أحد أنبياء بني إسرائيل، بأن على اليهود أن لا يثقوا بالأغيار، والأغيار هم كل من هم ليسوا يهوداً والإشارة هنا تذهب إلى الولايات المتحدة، على خلفية التوتر بين الدولتين الحليفتين.
لكن نتانياهو أضاف استخلاصاً واقعياً فريداً، حين اعترف بأن إسرائيل لم تعد قادرة على خوض حروبها على أراضي الغير، مما يعني أن على سكانها أن يتحسبوا لدفع ثمن بقاء الدولة. يقول نتانياهو ذلك فيما تتعالى دقات طبول الحرب في المنطقة، حرب قاسية تحرض إسرائيل منذ بعض الوقت على ضرورة شنها لمواجهة ما تعتبره خطراً وجودياً، يتمثل في إمكانية امتلاك إيران لأسلحة نووية.
سؤال وجود الدولة وعمرها الافتراضي، لم يغادر عقول النخب الفكرية والثقافية في إسرائيل، لكن الساسة يتجاهلونه، ولا يرغبون في الاستماع إلى التحذيرات، التي تصدر عن مراجع صهيونية، لا تفوتها قراءة المتغيرات الدراماتيكية التي تقع على غير صعيد.
في الذكرى الخامسة والخمسين لقيام إسرائيل، أثار عدد من الكتاب الإسرائيليين هذا السؤال على نحو واسع وعلني، رغم أن الظروف في ذلك الحين كانت تبدو أفضل بالنسبة لإسرائيل من الظروف الراهنة.
بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد كان ثمة من توقع أن تكون حرب اكتوبر 1973، آخر الحروب العربية الإسرائيلية، ذلك أن تلك الاتفاقية أخرجت من دائرة الصراع، القوة العربية الأكبر في المنطقة، غير أن التاريخ اللاحق يشهد على اندلاع المزيد من الحروب الصعبة والدامية.
فقد شنت إسرائيل حرباً على لبنان عام 1982، واجتاحت عاصمتها بيروت، وفي عام 1996، قامت باجتياح آخر لجنوب لبنان، ثم عادت إليه بحرب مجرمة في يوليو 2006، وضد الفلسطينيين، ورغم اتفاقيات أوسلو، شنت إسرائيل حرب السور الواقي، وقامت باحتلال الضفة الغربية مجدداً، ثم شنت حرباً واسعة على قطاع غزة، في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، وما بين هذه الحرب.
وتلك لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن اعتداءاتها الصعبة على الفلسطينيين. في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، بعد قيامها، وقبل قيامها على يد العصابات الصهيونية، خسرت حوالي 500,22 إنسان بين جندي ومقاتل ومدني، قام نتانياهو بتأبينهم في ذكرى الاستقلال، وهو عدد ضئيل قياساً بما قدمه العرب من تضحيات، وضئيل قياساً بالإنجازات الكبيرة التي حققتها الحركة الصهيونية.
لكأن نتانياهو أدرك أن الزمن قد تغير، وأن على الإسرائيليين أن يدفعوا ثمناً أكبر لضمان بقائهم من الثمن الذي دفعوه من أجل إقامة دولتهم فخلال معظم الحروب اللاحقة لحرب تشرين، اضطر الإسرائيليون لدخول الملاجئ، وعانوا من الهلع الذي يصيب الناس عند وقوع حروب كبيرة.
كانت اتفاقية كامب ديفيد قد وفرت لإسرائيل فرصة تاريخية حقيقية، لتبديد المخاوف التي تنتاب المفكرين والمثقفين إزاء العمر الافتراضي لوجود دولتهم، غير أن الطبع غلب التطبع، إذ لم تتغير عقلية القادة السياسيين والعسكريين، إزاء اندماج إسرائيل في محيطها، كأحد عوامل استمرارها.
لم يكن بمقدور صناع القرار، أن يتجاوزوا عقد البدايات حيث فرضوا مشروعهم بالقوة، وبالقوة والتفوق العسكري أنجزوا الدولة، وأبقوها على قيد الحياة لاثنين وستين عاماً، أو ربما لأنهم يدركون بأن التوسع بما يفيض عن قدرتهم على السيطرة والتميز، قد يؤدي إلى امتصاصهم من قبل المحيط العربي. لهذا يؤثر صناع السياسة الإسرائيلية، الانعزال، حفاظاً على التماسك الداخلي والوجودي، لكن هذا الوجود والتماسك مهدد بالعوامل التالية:
أولاً: أن إسرائيل لا تستطيع التعايش مع السلام ومتطلباته وهي لا تستطيع في الأساس دفع ثمن سلام مقبول ينقل المنطقة من حال إلى حال ولذلك يقدس الإسرائيليون الأمن، ويقدمونه على ما عداه، وإذا كانت إسرائيل ليست مؤهلة للسلام، فإن عليها أن تتأهل دائماً لخوض حروب، ذلك أن مرحلة اللاسلم واللاحرب، ستبقيها في حدود عزلتها الجغرافية.
ثانياً: لم يعد الأمن في المنطقة مرهونا برؤية إسرائيل لأمنها، فقد دخلت عوامل إقليمية ودولية، تتعامل مع الأمن الشرق أوسطي، كجزء أساسي من مكونات أمنها القومي، وهذا ما اعترف به مؤخراً الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبالتالي فإن إسرائيل لم تعد وحدها قادرة على صياغة الأمن والمصالح في المنطقة.
ثالثاً: إن إسرائيل التي تعاني من عزلة متزايدة على المستويين الإقليمي والدولي بسبب سياساتها المخالفة للقوانين والقرارات الدولية، والجرائم الدافعة التي ترتكبها إسرائيل تعيش حالة من الارتداد الداخلي، نحو مزيد من التطرف والمزيد من العنصرية.
إن المآل النهائي للنظام السياسي الإسرائيلي يتجه حتماً نحو الأبارتهايد والتمييز العنصري، ومن يتابع عن كثب القرارات والتشريعات التي تصدر، سيجد أن ثمة عملية تراكم مستمرة في القرارات العنصرية التي تزيد عن أربعين قراراً وتشريعاً.
رابعاً: إذا كانت إسرائيل ليست مؤهلة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين وجيرانها العرب، باعتبار أن السلام مخالف لطبيعتها، وأنها قادرة في كثير من الأحيان على تبرير مواقفها وسياساتها، أو الارتكان إلى تواطؤ المجتمع الدولي، فإن الفلسطينيين المتواجدين على أرضهم المحتلة منذ عام 1948، يشكلون كعب أخيل.
يشكل الفلسطينيون في إسرائيل نحو 20% من سكانها، ومعدلات نموهم الطبيعي سنوياً تفوق معدلاتها لدى اليهود، وهؤلاء يشكلون العقدة الأهم بالنسبة للمشروع الصهيوني، ولمستقبل دولة إسرائيل واتجاهات تطورها نحو العنصرية. في مواجهة هذه العقدة الكأداء، تطرح إسرائيل شرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، للموافقة على التسوية، والقصد التخلص من الوجود الفلسطيني داخل حدود الدولة الإسرائيلية وطردهم إلى خارجها.
ليست لدى إسرائيل حلول غير عنصرية للتعامل مع محيطها الفلسطيني والعربي، وكل ما لديها لحماية وجودها يرتكز على التفوق العسكري، لكن هذا وفق معطيات العصر، لا يشكل ضمانة، بل ربما يشكل عاملاً تفكيكياً، إذ أن وضع الإسرائيليين في دائرة خطر محقق، يؤدي بالكثير منهم إلى العودة من حيث أتوا.
وفي الواقع فإن مشروع الصهيونية في أزمة، فلا الحروب تشكل ضمانة، ولا الانعزال، ولا التوسع يحيي إسرائيل، ويبقى على الفلسطينيين والعرب أن يعرفوا كيف يختصرون الزمن.
كاتب فلسطيني
