أذوب عشقاً في الراحل جمال حمدان، الذي مرت قبل أيام معدودة ذكرى مقتله الغامض، السابعة عشرة، كان يمكن أن تمضي المناسبة دون أن يلتفت إليها أحد كما هي عادتنا في النسيان، لولا أنه تمرد هذه المرة وانبعث مجدداً كطائر العنقاء الأسطوري على نحو ما عودنا دائماً.. ليهدينا لمحات من مذكراته الخاصة صدرت في كتاب عن دار «عالم الكتب» بالقاهرة.
كان العالم الفذ يدرك على نحو قطعي «أن مصر بيئة طاردة لأبنائها الممتازين تلفظهم بانتظام وإحكام.. يتكاثر الأقزام علي رأسها ويقفزون على كتفها.. تتعثر أقدامهم في العمالقة وقد تطأهم وطئاً» كما كتب في موسوعته غير المسبوقة «شخصية مصر»، ومع ذلك ظل حتى يوم وفاته بين منزلتين لم يبرحهما.. عشق العارفين ومعرفة العاشقين.
قصة جمال حمدان كقصة أي عاشق عذري متبتل ونبيل، فاجأته معشوقته بأنها بين أحضان آخر، فاعتزل وانطوى على أحزانه، لا ليكتب هجاءها وإنما ليكتب مزيداً من قصائد العشق التي تحاول تذكيرها بما كان، وردّها إلى رشدها دون أن يجرح مشاعرها بحرف.. هو يعرف أنها تحولت من «أول أمة في التاريخ إلى أول دولة إلى أول إمبراطورية... إلى أطول مستعمرة، قبل أن تتخلى عن مكانتها ودورها».
كما كتب في أوراقه الخاصة، يذكّرها على نحو شفيف بأنها تحولت لأول مرة من تعبير جغرافي إلى تعبير تاريخي هارب من المستقبل والحاضر إلى الماضي التليد، ويذكرها بأنها بيئة جغرافية مرهفة وهشة لا تحتمل العبث.
ومن ثم يحذر من تراجع مساحة الزراعة التي تعني الحياة لمصر ومن دونها تصبح «مقبرة بحجم الدولة»، يذكّرها بأن عليها أن تظل ممسكة بالعدل الاجتماعي من أطرافه على نحو ما جرى في التجربة الناصرية رغم سلبياتها، لأنها ببساطة «لا تصلح بطبيعتها للرأسمالية المسعورة الجامحة الجانحة» ففي ذلك مقتلها.
عشق جمال حمدان هذا وإن بدا لمصر وحدها، إلا أن حقيقته تمتد لتطال العالم العربي كله، فهي ليست بنظره إلا بمثابة قلب طبيعي للمنطقة ولا يمكن للقلب أن يعيش وحده في فراغ وبلا جسد، ومن ثم فقد وجد أن الناصرية كانت تمثل «بوصلة مصر الطبيعية»، مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبدالناصر، لأن المصري «ناصري قبل الناصرية وبعدها ومن دونها».
وتطرح الأوراق الخاصة لحمدان رؤى قد تثير جدلاً طويلًا، فهو يرى أن الإسلام السياسي تعبير عن مرض نفسي وعقلي، وأنه لو كان لدى هذا التيار «ذرة إحساس بالواقع المتدني المتحجر لانتحر»، كما لا يجد تناقضاً بين العلمانية والدين، لأن «كل الأديان علمانية أي دنيوية.. وأن الإسلام هو العلمانية..
فلا إسلام بلا علمانية وإن كان هناك علمانية بلا إسلام». ويعرّف العلمانية ليس على أنها فصل الدين عن الدولة وإنما باعتبارها «ترشيد التدين.. حيث التدين بلا هستيريا وبلا تطرف»، ويؤكد مجدداً أن الاعتراف بإسرائيل نوع من الانتحار الوطني، وأن شرط تقدم مصر والعالم العربي ليس إلا «شنق آخر الجماعات الإسلامية بأمعاء آخر إسرائيلي في فلسطين».
رؤى حمدان التي تعري الجراح ليس نكئاً لها وإنما ابتغاء علاجها، ترفعه في نظر النخبة الثقافية العاشقة لمصر إلى مرتبة توشك أن تقارب القداسة.
وذلك تزامناً مع إهمال رسمي شبه مقصود، ويبدو أن هذا التناقض أوشك أن يتحول إلى قانون يحكم نبض الناس، فمن يجد إهمالًا سلطوياً وهو في مثل قدره ومكانته لا شك أنه يستحق أن يصبح درة لتاج الضمير العام، ومن يسرق انتباهاً رسمياً يوحي للضمير العام بأن ضحالته أول مؤهلاته لذلك.. نفس ثنائية الأقزام التي تطأ أقدامهم أعناق العمالقة.
طوبى لعاشق لم يقتله غير عشقه.
