أعلن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في مؤتمر صحفي عقده في ختام زيارته إلى الأرجنتين في منتصف أبريل الجاري أن روسيا تعتزم استعادة النفوذ المفقود في أميركا اللاتينية رغم أنف مَن لا يرضيه هذا.
وكان الرئيس ميدفيديف قد زار كوبا وفنزويلا وبيرو والبرازيل في أوقات سابقة. كما قام فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي الأسبق ورئيس الوزراء حاليا، بعدة زيارات إلى فنزويلا.
وقام نائب رئيس الوزراء الروسي سيتشين ب7 زيارات إلى أميركا الجنوبية خلال عام 2008، ثم زار كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا في عام 2009.
ويُرجع محللون اهتمام روسيا بأميركا الجنوبية إلى أسباب سياسية في المقام الأول. وكانت أميركا اللاتينية في زمن الاتحاد السوفيتي واحدا من أهم مسارح الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وانقطعت علاقة روسيا بهذه المنطقة بعد زوال الاتحاد السوفيتي. والآن، وبعدما وصل اليسار إلى الحكم في الكثير من بلدان أميركا الجنوبية وتضاءل نفوذ الولايات المتحدة، تريد روسيا توطيد مواقعها في إحدى أهم مناطق العالم متعدد الأقطاب. وقد حققت بعض النجاحات في هذا الاتجاه.
وحسب تقديرات معهد لندن الدولي للدراسات الإستراتيجية فإن روسيا صدّرت أسلحة بقيمة إجمالية مقدارها 4,5 مليارات دولار إلى أميركا اللاتينية في العام الماضي، متقدمة على الولايات المتحدة. والجدير بالذكر أن روسيا تقدم قروضا إلى بلدان المنطقة لتمويل شراء الأسلحة الروسية.
وحققت روسيا نجاحا في المجال السياسي أيضا، إذ أيدت البرازيل مبادرة روسيا التي نظمت القمة الأولى لمجموعة الاقتصاديات الصاعدة الرئيسية (بريك) (روسيا والبرازيل والصين والهند) في إحدى المدن الروسية، فاستضافت القمة الثانية في منتصف أبريل الجاري.
وفي مجال التعاون الاقتصادي تنشط شركات النفط الروسية بشكل أساسي وفعال في حقول النفط هناك، وأيضا بكثافة في عمليات التنقيب عن حقول جديدة، ولعل السبب توفر احتياطيات ضخمة من النفط والغاز في أميركا اللاتينية في حين أن استخراج النفط من بطون الأرض في شرق إقليم سيبيريا الروسي أمر صعب.
ووقعت روسيا والأرجنتين أثناء زيارة الرئيس الروسي للأرجنتين أكثر من 10 اتفاقيات تعاون اقتصادي ستأتي بموجبها استثمارات روسية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات إلى الأرجنتين وفقا لما قاله الرئيس ميدفيديف.
ومن المعروف أن معظم الأنظمة الحاكمة في أميركا اللاتينية كانت في السابق مفروضة ومحمية من واشنطن ومن الاستخبارات الأميركية ضد غضب وامتعاض شعوبها.
ومع إهمال واشنطن لهذه القارة أثناء حكم المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن سقط بعض أنظمة الحكم الموالية لواشنطن لتحل محلها أنظمة اشتراكية معادية للسياسات الأميركية، بينما لجأ البعض منهم لسياسة ترضي شعوبها بمناهضة ورفض السياسة الأميركية بما فيهم أنظمة رأسمالية.
وهكذا جاء تمرد القارة الجنوبية من حيث لا تدري الولايات المتحدة، وربما يعكس هذا نقطة ضعف سابقة لدى واشنطن في هذه القارة الجنوبية.
حيث كانت تتصور الولايات المتحدة دائما أن الشيوعية هي الخطر الوحيد في هذه القارة، فحاربت واشنطن الشيوعية هناك لكنها أهملت تماما مصالح شعوب هذه القارة، والتي عانت من الفقر والتخلف والإهمال وانتشار المخدرات تجارة وتعاطي حتى أصبحت مستنقعا ومنبعا للجريمة وليست حديقة جنوبية كما كانوا يصفونها.
وفي هذا المناخ وجدت روسيا الفرصة متاحة أمامها والطريق مفتوح لدخول هذه القارة البعيدة فقررت الدخول، أو بمعنى أصح العودة إليها، ولكن في هذه المرة بدون أيديولوجية حمراء أو تحالفات عسكرية وبدون شعارات أو تهديدات لجهات معينة مثلما كان يفعل الاتحاد السوفييتي السابق، الآن روسيا تعود بما ينفع الشعوب ويساهم في تنمية وتطوير اقتصاديات ومجتمعات هذه البلدان.
وفي نفس الوقت تتفادى موسكو الخوض في أية قضايا سياسية في بلدان هذه القارة، حتى عندما عرض الرئيس الفنزويلي على موسكو قاعدة عسكرية في فنزويلا، رفض الروس تماما، ورغم هذا لا يستطيع الغرب، وخاصة واشنطن أن يصدقوا أن روسيا ليس لها طموحات إستراتيجية في هذه القارة، ويصيحون هلعا وخوفا من تحركات روسيا هناك، وتخرج صحفهم يتصدرها الشعار الذي كان سائدا في زمن الحرب الباردة «الروس قادمون».
أيا كان الأمر فقد عادت روسيا تتألق من جديد في رقصة التانغو (وهي أشهر الرقصات في أميركيا اللاتينية).
كاتب روسي