ثلاث مناسبات مهمة كان الرئيس الأميركي باراك أوباما أحد أبرز صناعها قي الآونة الأخيرة، أولها الإعلان عن رغبته في رؤية العالم خالٍ من السلاح النووي، وثانيها توقيعه مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف اتفاقية ستارت الجديدة التي تقوم كل من الولايات المتحدة وروسيا وفقها بخفض كبير في عدد الرؤوس النووية التي تمتلكانها، وتحرر العالم من بعض الضغوطات التي يرزح تحت وطنها، وتخلق أجواء ضاغطة على الدول التي تسعى لامتلاك السلاح النووي.
أما ثالثها فهي استضافته في الثاني عشر من الشهر الجاري، وعلى مدى يومين، قمة حضرها ممثلون عن 47 بلداً بينهم عدد من الرؤساء تحت شعار «الأمن النووي».
بحثت قمة واشنطن في الخطوات الكفيلة بوضع جميع المواد النووية تحت الحماية خلال أربعة أعوام بما يضمن عدم انتقالها إلى أيدي الإرهابيين، وتطوير خطة عمل جماعية بين الدول من أجل تحقيق هذا الغرض.
الحديث عن إمكانية تسرب المواد النووية ووقوعها في أيدي الإرهابيين واحتمال استخدامها ضد إحدى الدول الغربية، يفتقر في الحقيقة إلى الموضوعية وفيه الكثير من المبالغة وذلك لأسباب تقنية وأخرى لوجستية. فالمواد النووية التي تشكل فعلاً خطورة كبيرة في حالة استخدامها كسلاح هي المواد الانشطارية: اليورانيوم والبلوتونيوم، الأول صنعت منه قنبلة هيروشيما والثاني صنعت منه قنبلة ناغازاكي.
المعروف أن خامات اليورانيوم متوافرة في مناطق عديدة من العالم إلا أن من غير الممكن استخدامها كمادة متفجرة وذلك لأن نسبة النظير (يورانيوم 235) القابل للانشطار ضئيلة جداً فيها (لا تتجاوز ستة وسبعين جزءاً في كل عشرة آلاف جزء) لذلك يتطلب تعزيز نسبة هذا النظير عبر عملية التخصيب كي تصل إلى 90%، وهي النسبة التي تجعله قابلاً للتفجير.
وعملية التخصيب هذه تعجز عن القيام بها معظم دول العالم ناهيك عن استحالة ذلك لمنظمات أو أفراد تطارد في كل مكان من العالم. أما البلوتونيوم فهو غير متوافر في الطبيعة وإنما يستخلص من الوقود النووي المستخدم في المفاعلات النووية، إذ يتولد من تشعيع قضبان الوقود الغنية بنظير اليورانيوم 238 بالنيوترونات.
ولا شك ان عملية معالجة الوقود لا تتوافر القدرات التقنية على إجرائها إلا لدى دول معدودات وسط إجراءات صارمة تلزم من يستخدم قضبان الوقود النووي إعادتها إلى الجهة المجهزة كشرط لتزويده بقضبان وقود جديدة. والشركات التي تقوم بهذه المهام هي شركات مملوكة للدولة كما هو الحال في فرنسا وبريطانيا والهند والصين وروسيا.
وتواجه هذه الشركات صعوبات جمة في كيفية التخلص من هذه النفايات النووية خاصة وأن العديد منها ذو عمر نصفي طويل (البلوتونيوم والسترونيتيوم والسيزيوم) مما يجعلها شديدة الخطورة لمدد زمنية طويلة قد تبلغ آلاف السنين مما يتطلب خزنها في أماكن خاصة.
ولو افترضنا حصول جهة ما على هذه المواد الانشطارية فإن من المتعذر عليها تصنيع سلاح نووي والحصول على وسيلة إطلاقه لمسافات بعيدة فذلك يتطلب خبرات علمية وتقنية كبيرة لا تتوافر إلا لدى دول متقدمة.
إلا أنه، من جانب آخر، تبقى النفايات النووية مصدراً لبعض القلق في حالة وقوعها بأيدي الجماعات الإرهابية، وهو أمر ليس هناك ما هو أسهل منه، إذ يمكن استخدامها في تلويث مساحات كبيرة من المناطق المأهولة بالسكان وإثارة الرعب فيها.
الحقيقة أن الاهتمام بهذا الموضوع قد جاء متأخراً جداً من جهة، وجاء بدوافع لا ترقى إلى مستوى مسؤولية الدول العظمى الأخلاقية تجاه العالم، من جهة أخرى. فالدوافع لعقد قمة الأمن النووي في واشنطن هو العمل على ضمان الأمن لدول الغرب فحسب دون أن تأخذ بنظر الاعتبار قضايا أخرى تتعلق بالبيئة وتتعلق بحقوق دول وشعوب أخرى.
فإذا أرادت قمة واشنطن أن تفتح حقاً هذا الملف وتعالج جميع تفرعاته بنزاهة وموضوعية فسوف تكون فعلاً قمة تاريخية لأن عليها إنصاف من لحقت به وبأرضه ومياهه أضراراً كبيرة على مدى عقود طويلة من السنين.
فقد قامت الشركات الغربية ذات العلاقة بالنفايات النووية بدفن هذه النفايات في عدد من الدول الآسيوية والإفريقية سواء بعلم هذه الدول نفسها أو بعلم وموافقة بعض الجهات المتنفذة فيها لقاء مكاسب معينة.
فقد دفنت في المياه الإقليمية الصومالية نفايات نووية قادمة من بلدان أوروبية في تسعينات القرن المنصرم نجم عنها تلوث هذه المياه ونفوق آلاف الأسماك والحيوانات البحرية. كما أصبح البحر الإيرلندي مكباً للنفايات النووية بسبب قيام كل من بريطانيا وفرنسا بدفن نفاياتها النووية فيه.
فمن المعروف أن كلفة التخلص من الطن الواحد من هذه النفايات بهذه الطريقة غير المسؤولة لا يزيد على دولارين ونصف الدولار في حين تبلغ الكلفة في حالة التعامل العلمي مع هذه النفايات ما يقرب من ألف دولار للطن الواحد.
وقد عمدت بعض الحكومات إلى التجاوز على قوانينها الخاصة، فقد دفنت فرنسا على مدى خمس وعشرين سنة، بدءاً من العام 1969 حتى عام 1994 حين أغلق موقع الدفن، محتويات 140000(مئة وأربعون ألف) حاوية من النفايات النووية التي بلغ حجم محتوياتها 520000 (خمسمائة وعشرون ألف) متر مكعب الناتجة من معالجة الوقود النووي المستخدم في دول أوروبية عديدة في مكب النفايات النووية في سولاين قرب حدودها الشرقية والمعروف بموقع سح الذي يعتبر أكبر موقع في العالم لحفظ النفايات النووية. هذا في الوقت الذي تنص فيه القوانين الفرنسية على منع دفن أية نفاية أجنبية في أراضي فرنسا.
ولعل من الضروري أن نذكر، في سياقات أهداف قمة واشنطن، بأن مواقع التخلص من النفايات النووية لا تتمتع بالحد الأدنى من الضوابط التي تحول دون وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابية، من جهة، ولا تتمتع كذلك بالضوابط التي تحول دون تسببها بأضرار بيئية واقتصادية، من جهة أخرى.
فقد بدأت النفايات النووية المخزونة في مكب النفايات سح في فرنسا تتفاعل مع البيئة المحيطة بها بطريقة أصبحت تهدد سمعة أحد أبرز ما تشتهر به فرنسا وهو مشروبها الذي يعرفه العالم، الشمبانيا.
فقد أعلنت حركة السلم الأخضر في فرنسا منذ عام 2006، استناداً إلى قياسات أجريت من قبل جهات مختصة، بأن مواد مشعة من مكب النفايات هذا قد بدأت تتسرب إلى المياه الجوفية في مواقع لا تبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن مزارع العنب التي يصنع منه هذا المشروب.
كاتب عراقي
