تجتاز اليونان منذ أشهر طويلة أزمة مالية كبيرة تقلّص كثيراً من إمكانيتها في اللجوء إلى طلب قروض، ولو كان الضمان الأوروبي الأخير قد منحها هامشاً مؤقّتا. أسباب هذا الوضع عديدة ومتنوّعة. في الواقع إن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية زادت من خلل آليات عمل الاقتصاد اليوناني.

ومنذ ثلاثين سنة قام هذا الاقتصاد في ظل الحكومات اليمينية واليسارية على أساس العلاقات النفعية وفرض الضرائب التي تصب في مصلحة الشركات وأرباب العمل وعلى حساب بناء دولة ذات مصداقية وفعّالة.

ودور الدولة على الصعيد الاجتماعي لم يكن قويّا أبدا في اليونان لكنه ضعف أكثر بسبب السياسات اللبرالية الجديدة المطبّقة منذ عشرين عاما. وقد كان لعجز الدولة عن جمع الضرائب بصورة عادلة وفعّالة نتائجه المأساوية.

إذ بلغت الديون 250 مليار يورو مع عجز في الميزانية بنسبة 7,12 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي. وزاد من خطورة الأمر أن الحكومات اليونانية جهدت منذ سنوات عديدة على إخفاء خطورة هذه الأرقام على شعبها وعلى شركائها الأوروبيين عبر تزييف الحسابات.

لم يكن استمرار الوضع ممكناً ووجدت الحكومة اليونانية نفسها أمام ضغط الاتحاد الأوروبي والأسواق المالية مرغمة على تبنّي خطّة تقشّفية وأعلنت تجميد رواتب المتقاعدين ورفعت ضريبة القيمة المضافة وقلّصت الرواتب في القطاع العام. هكذا كان الموظفون والمتقاعدون والعاطلون عن العمل هم أول ضحايا التقشّف رغم عدم مسؤوليتهم في خلق الوضع القائم.

وماذا كانت ردود أفعال شركاء اليونان في منطقة اليورو؟.

من المعروف أن ألمانيا لم تقبل التخلّي عن عملتها «المارك» عند تبنّي العملة الأوروبية «اليورو» إلا مقابل اتخاذ إجراءات صارمة من قبل شركائها. وقد اعتبرت منذ ذلك الوقت أن بلدان جنوب أوروبا، أي اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وحتى فرنسا لا تثبت صرامتها في تطبيق الإجراءات المقرّة؟ ومن هنا اتخذت موقفاً متشدداً حيال مساعدة اليونان للخروج من أزمتها الكبيرة.

ومن خلال الوصول إلى توافق بين ألمانيا وفرنسا توصّلت بلدان منطقة اليورو ال16 وصندوق النقد الدولي مؤخراً إلى تقديم ضمانات للقروض اليونانية الملحّة لتسديد الاستحقاقات المطلوبة حتى نهاية هذا العام.

وكانت برلين هي التي فرضت اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، الأمر الذي اعتبره رئيس البنك المركزي الأوروبي سلبيا من حيث قبول أن تشارك مؤسسة تشرف عليها واشنطن بالتدخّل في شؤون منطقة اليورو.

إن الحلّ الذي تمّ التوصّل إليه لا يثير الجدل فحسب، ولكنه غير عادل بعمقه. لا شك أن اليونان تتحمّل قسطا كبيرا من المسؤولية في الوضع الصعب الذي آلت إليه. لكن ألمانيا ليست بريئة حيال الوضع الذي تجد منطقة اليورو نفسها فيه اليوم.

فمنذ حكومة شرودر انتهجت سياسة اقتصادية وحيدة الجانب عبر تبنّي عدد من الإجراءات التي تخفف الأعباء عن شركاتها وتنشّط التصدير مما ساهم في خلخلة أوضاع بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى وعلى حسابها أحياناً، وخاصّة بلدان جنوب أوروبا مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال التي هي بطور اللحاق بالدول الأوروبية المتقدّمة.

وهذا يُطرح تحدي بناء المؤسسات الاقتصادية الأوروبية. كما يُطرح السؤال: هل ينبغي أن يتزوّد الاتحاد الأوروبي بحكومة اقتصادية تمتلك أدوات اتخاذ القرار الاقتصادي المشترك من أجل تسيير اقتصاد أوروبا ومعالجة أشكال الخلل والتضخّم وسياسة خلق فرص العمل؟

هناك خلل واضح من وجهة النظر هذه فإذا كان الاتحاد الأوروبي يمتلك حكومة نقدية ـ البنك المركزي الأوروبي ـ فهو لا يمتلك حكومة اقتصادية تزوّده بميزانية حقيقية جديرة بهذه التسمية حيث لا تتجاوز هذه الميزانية اليوم 1 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأوروبي.

وفي الوضع الحالي تفتقد الحكومات الأوروبية إلى أدوات ضبط فعّالة وقد حان الوقت لإيجاد الوسائل على الصعيد الضرائبي وصعيد الميزانية في أوروبا.

ولا بدّ في هذا السياق من الحدّ من السلطة المفرطة للبنك المركزي الأوروبي، لكن ألمانيا لا تريد ذلك والدول الأخرى تخضع للمطالب الألمانية. ومن هنا أيضا تطرح الأزمة اليونانية مسألة الركائز الأساسية للجانب الاقتصادي في البناء الأوروبي.

وينبغي أن تأخذ الهيئات الأوروبية المنتخبة دورها كاملاً وتضع الدول إرادتها المشتركة من أجل رفع الاتحاد الأوروبي إلى مصاف مسؤولياته في هيكلة اقتصاد معولم. وبهذا المعنى لا يكون تدخّل صندوق النقد الدولي في اللعبة الاقتصادية الأوروبية مؤشراً إيجابياً.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس

professorrabie@yahoo.com