كشفت الأزمة المالية العالمية عن أشياء كثيرة كانت خفية في العالم، وخاصة في الغرب الذي ظل يرفع شعارات حرية السوق لعقود طويلة، وكانوا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية يتهمون الاتحاد السوفييتي والأنظمة الاشتراكية بالشمولية وسيطرة الدولة على الاقتصاد.

وكانوا يضعون شروطاً للتعامل التجاري والاقتصادي مع أي دولة بأن تفتح أسواقها على مصراعيها للأجانب وللشركات الخاصة، وأن ترفع سيطرة الدولة عن الاقتصاد، وأن تطرح كل ما تملكه من مؤسسات صناعية وإنتاجية للخصخصة، بما في ذلك قطاع الزراعة والخدمات أيضا.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية، وبعد التحول الكبير في السياسة الاقتصادية في روسيا وتطبيق معايير الاقتصاد الحر والسوق المفتوح، سعت دول الغرب في فترة التسعينات الماضية لغزو الاقتصاد الروسي وشراء كبرى الشركات الروسية.

ولم تمانع روسيا ولم تضع العراقيل، وذلك التزاما منها بمبادئ ومعايير السوق الحرة، ورغم هذا وضعوا كافة العراقيل والعقبات للحيلولة دون حصول روسيا على عضوية اتفاقيات التجارة الحرة التي لم تحصل عليها حتى الآن.

وخرجت مليارات الدولارات المهربة من روسيا لترقد في مصارف وبنوك العالم ولتستثمر في اقتصادات الدول الأخرى ويحرم منها الاقتصاد الروسي، وأصبح المليارديرات الروس أشهر الأثرياء في العالم الذين يضاربون في البورصات وأسواق المال العالمية.

ومع وصول فلاديمير بوتين للحكم في روسيا، وعودة الاقتصاد الروسي للنهوض، بدأت الدولة في توجيه الاقتصاد لصالح الوطن والشعب، ولكن مع الحفاظ على سياسة السوق الحر المفتوح، وعندما وقعت الأزمة المالية العالمية ومع توالي انهيار البنوك والمؤسسات المالية في الغرب والولايات المتحدة، ومع فقدان معظم دول العالم للسيولة المالية.

في حين كانت روسيا من الدول المعدودة على الأصابع التي تملك سيولة مالية كافية رغم الأزمة، قررت الحكومة الروسية استغلال فرصة الأزمة واستثمار هذه السيولة في شراء بعض المؤسسات الإنتاجية الأجنبية التي تعاني من أزمات مالية ومعرضة للإفلاس.

كما قرر رجال الأعمال الروس أصحاب المليارات أن يسلكوا نفس السلوك، وشجعتهم الدولة على ذلك ووعدت بدعمهم والدخول معهم في شراكة في صفقات شراء هذه المؤسسات.

ولم تتوقع الحكومة الروسية أن تكون هناك أي عقبات في الأمر، خاصة لدى الدول التي تنتمي إليها المؤسسات المعروضة للبيع، ومعظمها دول أوروبية غربية لا تضع قوانينها أي قيود على امتلاك الأجانب.

وكانت المفاجأة أن هذه الدول تلغي قوانينها ومبادئها في حرية التجارة والسوق وعدم الاحتكار، لتضع العقبات أمام رأس المال الروسي المتوجه نحوها، وكأنه غزو عسكري روسي لأراضيها.

هذا على الرغم من دعوات الاتحاد الأوروبي لتطوير العلاقات الاقتصادية مع روسيا، والتي على ما يبدو ليست إلا ستاراً لحربٍ تجاريةٍ ضدها، وفي هذا الشأن يبرز المراقبون أن الشركاتِ الروسيةَ والصينية مُنعت من شراء أسهم شركاتٍ أوروبيةٍ رائدة.

ومن الأمثلة على ذلك أن رجل الأعمال الروسي ألكسي مورداشوف مُنع في عام 2006 من شراء شركة «أرسيلور»، وهي إحدى كبريات شركات التعدين الأوروبية، وكانت معروضة للبيع في مناقصة مفتوحة، ولكن منع منها الروس والصينيون.

كما أن شركة «غازبروم» الروسية لم تتمكن من شراء شبكةِ توزيع الغاز الأوروبية التي تبيع الغاز الروسي بعد مضاعفة ثمنه مراتٍ عديدة، وهناك مستثمرون روس فشلوا مؤخراً بشراء أسهم شركتي «أوبل» و«ساب».

وذلك لأن أصحاب الشركتين في الولايات المتحدة رفضوا بيعها للروس بالتحديد، رغم أن القوانين التجارية في الولايات المتحدة تمنع التمييز أو رفض التعامل مع جهة إلا لأسباب جنائية، ورغم هذا فإن هيئات مكافحة الاحتكار الأوروبية لم تحرك ساكناً.

ومن الملاحظ في هذا الشأن أن الاتحاد الأوروبي يدافع عن مصالحهِ الاقتصادية باستخدام أساليب بعيدة عن الاقتصاد.

وحسب تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن التمييز ضد الشركاتِ الروسيةِ في الخارج أفشل صفقاتٍ تقدر قيمتها ب50 مليارَ دولار، وأضاف لافروف آنذاك أن هذه الممارسة دليل واضح على موقف الأوروبيين من البزنس الروسي الذي يرون فيه منافساً جدياً يهدد مصالحهم.

لقد سمحوا لكل بلدان العالم أن تشتري عندهم ما تشاء، فلماذا يرفضون روسيا بالتحديد؟، مما يخافون؟، أم أن سياسة السوق المفتوح هي مجرد شعار أجوف يرفع فقط لتحقيق مصالحهم على حساب مصالح الآخرين؟

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru