تابعوا اتجاهات التحول في السياسة الخارجية التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، ذكروا ما لا حصر له من التقديرات، بعضهم لاحظ ميلاً إلى عودة تركيا من غربة حضارية بدأت رحلتها مع انهيار الخلافة العثمانية في مستهل القرن العشرين.
آخرون وجدوا في التحول الجاري زمناً جديداً من علاماته الفارقة مغادرة تركيا علمانيتها الحادة قاصدة الوصول إلى ضربٍ من مصالحة مع هوية دينية لم يُطوَ سجلُّها مع تقادم الزمن، أما من انصرف عن هذين التقديرين، فقد مضى بعيداً في الصورة، وانبرى إلى الكلام على رجوع الروح إلى العثمانية وإن برداء معاصر وحداثوي.
ولقد استدل أصحاب هذه القول على قولهم، من مقتبسات لافتة استعادت فيها الزعامة التركية الجديدة المجد العثماني وفردوسها الحاضر في الذاكرة.
ما قيل على الجملة فيه شيء مما لدى حزب العدالة والتنمية من طموحات. لكن السؤال الذي يشغل المتابعين في تركيا والخارج يمكث فيما يتعدى الإيقاع السياسي اليومي لحكومة رجب طيب أردوغان.
والسؤال هو التالي: إذا كان الحاصل في تركيا منذ العام 2002 هو أقرب إلى اختبار من نوع جديد لسلطة تأخذ بالهوية الإسلامية ثقافة سياسية لها، فما هي المسافة المفترضة التي تخوّلها تحويل هذه الثقافة إلى استراتيجية سياسية بعيدة المدى؟
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن السؤال يستدرج علامات استفهام كبرى حول قدرة حزب العدالة والتنمية في إحداث منعطف تغدو فيه الثقافة الإسلامية، هوية سياسية واستراتيجيات عمل للدولة والمؤسسات، كما تمكنه من جعل المَيْل السياسي لإجراء تغييرات في السياستين الداخلية والخارجية، تحولاً فعلياً في النهج الاستراتيجي للدولة العلمانية.
غالب الظن أن ما يدور في تفكير القيادة التركية هو غير ما يُسقط عليه من تقديرات المحلِّلين وخبراء المستقبليات. أما اليقين فيبقى حصراً داخل المضمر السياسي الذي ينمو ويتبلور بهدوء من خلال التجربة المفتوحة على الاحتمالات، ذلك ما تترجمه مفارقات خطاب أردوغان الثقافي.
حيث حركة التباين والانسجام تجري على خطٍ متوازٍ بين قضايا الإسلام والمسلمين، ناهيك عن الموقف من الغرب والدولة اليهودية، وبين الإجراءات السياسية المتخذة حيال هذه القضايا.
ثمة في الواقع مسافة ينبغي ملاحظتها بين حرارة الخطاب الثقافي، والمرونة المحسوبة بدقة، في مجال الإجراء السياسي والاستراتيجي، فما هناك شك في الصدقية الثقافية التي يعكسها خطاب أردوغان في لقضايا الحيوية المشار إليها، لكن لن يكون من أمر الضرورة أن نجد لهذا الخطاب تمثيلاً موازياً في حقل الاستراتيجيات السياسية.
وذلك عائدٌ في واقع الحال إلى حسابات يفقهها جيداً العقل الذي يحكم تركيا اليوم. فلا بد لقارئ المسلك الإجمالي الذي يعتمده حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة، من أن يميّز بين ما هو ثابت وما هو متحوّل في حقل الممارسة. ولنا أن نلاحظ هنا كيف أن التقاليد السياسية للعلمانية التركية بقيت محفوظة في فضاء الثوابت الاستراتيجية:
ـ الهوية العلمانية للدستور والنظام السياسي والمؤسسات.
ـ الانتماء إلى الأطلسية كحلف أمني عسكري رغم التحولات الجذرية في منظومات الاستقطاب الدولية وأنظمة الأمن.
ـ العلاقة مع الولايات المتحدة كثابت استراتيجي لا محيد منه.
ـ العلاقة مع دولة إسرائيل كثابت استراتيجي لم تمس أركانه إلى الآن.
تحت سقف الثوابت المذكورة جرى الكثير مما يجوز وضعه في فضاء الإرهاصات المغايرة لما ألِفْناه من سياسات تركية على مدى عقود خلت.
لعل الموقف السلبي التركي من غزو العراق، إلى المواقف اللافتة والمقدّرة من الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى الانفتاح الإيجابي والشديد الأهمية على المدى العربي..
كل ذلك يعكس مَيْلاً حقيقياً إلى اعتماد توازن ينبغي النظر إليه بعناية لجهة موقعية تركيا الجديدة حيال شبكة النزاعات الدائرة، ما الذي يستفاد من كل ذلك؟
يمكن الكلام على سياق جدي افتتحه حزب العدالة والتنمية في نظام العلاقات الإقليمية والدولية.
سوى أن لهذا السياق حدوداً يستحيل اجتيازها. فالمَيْل الإستراتيجي نحو التغيير، هو بطبيعة الحال، ليس كالتحول الذي تترتب عليه أبنية استراتيجية في مجالات الأمن والسياسة والتحالفات الإقليمية.
فالأول، أي المَيْل نحو مواقف تزعج «حلفاء الثوابت»، يبقى أمراً عارضاً أقله المدَيَيْن المتوسط والبعيد. وتلك حقيقة يدركها الأتراك الحاكمون مثلما يدركها الآخرون. وعلى هذه الحقيقة يجري كل شيء بمقدار. الأمر الذي يجعل أردوغان وصحبه في منطقة وسطى من الممارسة السياسية، غالباً ما نجد آثارها وإيقاعها في الوظيفة الوسائطية لحل النزاعات.
من المُعلِّقِين من ذهب إلى وصف الوظيفة الجيوبوليتيكية لتركيا ب«الكومبرادور السياسي العالي الذكاء». ومنهم من بسط الظاهرة على نصاب آخر، أي مهمة ملء الفراغ الذي أحدثه غياب المرجعيات في منطقة لا تزال تكتظ بقابليات الانفجار والحروب الباردة.
أياً تكن التوصيفات، تظل موقعية تركيا في عين التساؤل: عما إذا سترتفع هذه الموقعية إلى مستوى صناعة حقائق جديدة في المنطقة.
باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»