عندما يغلب الجانب الأسود على الأبيض، وفي خضم عدم وضوح الانتعاش الاقتصادي أو حال نتائج انتعاش مالي غير حقيقي، تأتي تصريحات بداية الخروج من الأزمة لترسم صورة ما زالت ضبابية في النمو ومؤشراته.
ومع استمرار آثار الأزمة مخلفة وراءها التزامات مالية ضخمة على حكومات بالغة في سياسات المخاطر الاستثمارية، وعليها اليوم تلافي عجز الموازنات وتوفير السيولة اللازمة لسداد الديون في جانب، وتلافي آثار المبالغة في الخصخصة التي أفلست شركاتها مخلفة وراءها أرقاما عالية من البطالة في الجانب الآخر.
هنا تأتي الموازنات العامة بما تحمله من تعبير رقمي عن مصروفات وإيرادات الدول للسنوات المقبلة، وبرامج مالية اقتصادية واجتماعية يلفها مفهوم «التقشف الحتمي»، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن الإرادة السياسية المدركة لأهمية الأبعاد الاجتماعية ورخاء تفاعلاتها اقتصادياً.
إن الموازنة العامة اقتصادياً ليست مجرد صورة رقمية، بل هي تعبير لسياسة الدول في شقين مهمين؛ الأول اعتماد مالي للإنفاق، والثاني إيراد يعبر عن رسوم وأثمان الخدمات التي تبيعها الدول للقطاع العام، لذلك ليس من الغريب أن تحظى بأهمية مشابهة لسن القوانين.
فهي تمر بمراحل مالية وقانونية وإدارية وتمويلية واجتماعية ورقابية، لتصبح أداة لتقييم العدالة الاجتماعية بمفهومها المالي، وهنا تنتقل الموازنة العامة من موازنة رقمية إلى موازنة برامج وخدمات عامة اجتماعية.
الحقيقة أن تعاطي الدول مع سياسات الموازنات المالية انحصر خلال عناصر ثلاثة رئيسة (تقليص الإنفاق العام - رفع الضرائب - تقليص حجم المديونية) مؤشرات تمثل تطرفا في التقشف بعد سنوات حملت شعارات تقول: لتحقيق النجاح ينبغي المبالغة و«التطرف في الإنفاق»، وفي أحسن الظروف الإنفاق غير المبرر، وصولا إلى تخمة اقتصادية جعلت العالم أشبه بكازينو للمكافآت غير المبررة والفوضى المالية.
لمعرفة عناصر النجاح في هذه الموازنات لابد لها أن تعود إلى أصلها الأول، كونها «عقدا اجتماعيا للرعاية والتطوير» لتحقيق موازنة بين علاقة الدولة والسوق بشكل اقتصادي قادر على التطوير.
هذا الأصل مع بساطته تعتريه صعوبة مالية في ظل ممارسات تعمل وفق رؤية محافظة في الإنفاق من خلال تقليص الضمانات الاجتماعية أو مظاهر الرعاية التعليمية والصحية والأمنية وأخرى تحمل رؤيا أكثر تفاؤلاً من خلال تعمق أكبر بالمديونية لتحقيق الرخاء الاجتماعي، الأولى أكثر واقعية اقتصادية، فالتخمة التي سببها الديون لابد من أن تعقبها عمليات تنحيف.
لذلك هي تقوم على الشفافية في التعامل مع الواقع المالي لتبرر قسوة وسائل العلاج، أما الثانية فهي خالية من النجاح الاقتصادي، إلا أن النجاح هو بإعادة تعريف هذا العقد الاجتماعي من خلال جانبين؛ الشفافية حول أساليب العلاج مع مراعاة تخفيف الآثار الاجتماعية في شقها الأساسي ألا وهو التوظيف.
كما أن النظرية الاقتصادية، تؤكد دائماً أن الموازنات الأقل قادرة على تحقيق نمو اقتصادي أكبر ورخاء اجتماعي، وهذا متى كان تقليص الإنفاق يراعي مسؤولياته الاجتماعية، بل يتعدى ذلك للتفكير بجدية في خلق فرص عمل ومحاربة البطالة، حتى لا تكون الحالة أشبه بالمزاد مع نزول المطرقة ترتفع المسؤوليات حيث إن إشكاليات البطالة لا تحل في يوم وليلة متى أغفلت.
حقيقة المتأمل لموازنات الدول يلاحظ بعدها عن هدفين رئيسين؛ الأول دعم الثقة الاستثمارية، والثاني خلقها لاستقرار اجتماعي قادر على إنعاش السوق، وهذا لا يعني أن تكون هذه الميزانيات شجرة أعياد الميلاد المليئة بالهدايا المجانية.
ولكن يفترض أن تكون حالة تغير من الإسراف في الإنفاق إلى حالة من الإنفاق السليم، لأن الأداء الاقتصادي العالمي وتخبط نتائجه ليس عائداً إلى الأداء الاستثماري، بل حقيقة إلى تخبط سياسات الإنفاق الاجتماعي وخصوصاً أوروبا، حيث نظرياً توقفه عن الدعم الايجابي للقطاعات الاجتماعية.
وخصوصاً تعاملها مع التوظيف، وكأن الاقتصاد سوف يتعافى لوحده، أو فجأة سوف تصبح الأمور أفضل، خطأ سياسي فادح أوجد هبوطا في أداء الأسواق المالية وضعف الاستهلاك وحالة من عدم الثقة في السداد الاستثماري والاستهلاكي.
على الرغم أن السبب في الأزمة إدارة مالية خاطئة، وليس القطاع العام إلا انه هو الضحية الأولى في التقشف، مما ينتج عنه مجتمع درجة ثانية أقل راتب واقل إنتاج وأعلى بطالة.
الفرق بين المدرسة العربية في التعامل مع الموازنات والغربية أن الأولى تتبع أسلوب التمويل الكمي، حيث تحرص فيه مؤسسات التحصيل والإنفاق المالي أن تكون حدود الموازنة العامة في حدود مواردها، فهم لا يسمحون بزيادة النفقات العامة عن الإيرادات العامة لتلافي حالة العجز الذي تضطر الدولة فيه للاقتراض، أما الغرب.
فإنه يأخذ نظام التمويل بالعجز من خلال التوسع بالإنفاق لرفع مستوى المعيشة وإذابة الفوارق في الدخول بين الأفراد لرفع زيادة الطلب على السلع، بما يتبعه زيادة في الإنتاج ووسيلتها الضريبية كأداة لتوجيه الاستثمار.
كما تعتمد على الاقتراض الإجباري من خلال إجبار الدولة للمواطنين على ادخارات التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية، ثم تقوم الدولة باقتراض هذه المدخرات من الهيئات التي تعبئ هذه المدخرات.
الحقيقة أن المدرسة الأولى قد تكون أدق تعبيراً للوحدات المحاسبية، إلا أنها فارغة من مراعاة الأفراد الطبيعيين، لذلك تم فصل العمليات الاجتماعية والاقتصار على تسجيل العمليات المالية، وهذا الفصل لم يوصلها إلى العجز والاقتراض المحلي، بل إلى الاقتراض الخارجي.
المفترض أن توجه سياسات التقشف في الإنفاق والادخار الحكومي إلى تعزيز إمكانية الدولة في تقديم القروض الاجتماعية والأسرية وتمويل المنشآت المتوسطة والصغيرة واستمرار عمليات الإصلاح المالي وتنويع مصادر الدخل وزيادة فرص العمل أمام الأجيال المقبلة للمحافظة على انتعاش القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الإنتاج المحلي.
وفي الختام نقول إنه إذا أرادت الدول متابعة النمو وعدم تأزيم الواقع الاجتماعي، بل والاستثماري، وحتى لا يكون الكساد دافع النقابات الاجتماعية والعمالية إلى الخط الانتحاري لغياب الدعم المالي والسياسي، لابد من صياغة ترجمة سليمة للخفض في الموازنات العامة بحيث يكون جوهره إنعاشا اجتماعيا وماليا أكثر فاعليه، لتكون موازناتنا المالية قادرة على دخول المرحلة المقبلة من الانتعاش المالي عالمياً.
باحث في الاقتصاد الدولي
