عشنا فترة من الزمان نردد قول الشاعر وينشأ ناشئ الفتيان فينا...على ما كان عوده أبوه. إلا انه من المؤكد أن هذا القول الحكيم في وقته لم يعد يعبر عن طبيعة الحال في عصرنا بشكل دقيق بعد أن انشغل الأب سعيا وراء متطلبات الحياة التي لا سقف لها وتلاشي دور الأسرة أو كاد في ظل تعدد الروافد المساهمة في التنشئة الاجتماعية والنفسية لأبنائنا لدرجة شديدة التعقيد جعلت من الصعوبة حصرها وإن أمكن فمن الأصعب تحديد أكثرها تأثيرا.

إلا أنه من المتفق عليه أن وسائل الإعلام باتت أحد أهم هذه الروافد المحددة لملامح شخصية أبنائنا وصناعة أدمغتهم فهي الخليل الدائم لهم منذ نعومة أظافرهم مرورا بمراحل حياتهم المختلفة والمرء على دين خليله والشاهد ما ذكره أحدهم حينما سأله باحث ممن تتكون أسرتك؟ فأجاب ببراءة الأطفال «أبي وأمي والتلفزيون»!

ولاشك أن هذا القول على بساطته يحمل في طياته قدرا كبيرا من الأهمية إذا تم النظر بعين الاعتبار إلى الدراسات الاجتماعية التي أكدت أن الطفل ابتداء من سن الثالثة حتى السادسة عشرة يخصص وقتا للتليفزيون أطول من الوقت الذي يقضيه في مدرسته.

ويهدر وقت أمامه طوال هذه الفترة أكثر من سدس وقت يقظته. وليت الأمر يتوقف عند كم الساعات المنقضية في مشاهدته لبرامجه لكن الخطورة باتت من مضامين نقدمها وقيم نبثها تخالف ما نطمح أن ينشأ عليه أبناؤنا علاوة على مواد وبرامج غريبة عن واقعنا نبثها بأيدينا أو تفد إلينا من فضاء لا يرحم.

إنني أتأمل ما يقدمه إعلامنا العربي من برامج أو أعمال درامية تدفعني للإشفاق على طفل لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال ويعتقد أن ما يراه هو عين الحقيقة ما يجعله يعيش في عالمين تزداد الثغرة بينهما يوما بعد يوم، ومراهق لا يدرك أن ما يراه في أحداث الأفلام السينمائية ليس هو الواقع بل قد يتخطاه ليصبح نوعا من الخيال «الفانتازيا».

لقد حفلت شاشتنا العربية بمضامين تحوي مخاطر جمة أثارت التساؤلات عن الفائدة المرجوة من تقديمها والغاية من ورائها وليس ببعيد عنا برامج الأطفال الشهيرة (بيكمون) وكيف كانت الزهرة تتحول إلى فراشة وكأننا نقدم لأطفالنا البراهين على صحة نظرية «التطور» .

لداروين من أن الإنسان أصله قرد مادام التحول ممكنا! فضلا عن هذا العبث والعنف غير المبرر البعيد عن أي قيمة الذي يقدم في أفلام الكارتون (توم وجيري أو باتمان وسوبرمان) .

وغيرها من الأسماء والأشكال التي تقدم لأهداف دعائية غير مباشرة ولإضافة مزيد من التشويه والتشويش علي العقول حيث تحظى بالإقبال من أبنائنا بسبب الإبهار في الصورة والحركة للحد الذي حاول فيه بعض الأطفال محاكاتهم ظنا منهم أن بإمكانهم الطيران فكانت النتيجة أحزانا تجرعها ذووهم بغير جريرة اقترفوها.

كذلك الأعمال الدرامية تجدها متخمة بالعنف الجسدي وتهتم اهتماما مبالغا فيه بالجريمة والخطورة تأتي من قيام ممثلين لهم جماهيرية بأداء هذه الأدوار ولاشك أن تكرارها يجعل من يشاهدها يتقبل العنف البالغ باعتباره جزءا من الأوضاع الطبيعية في حياتنا ويرسخ نموذجا سلوكيا يخلق حالة من الرغبة في محاكاته لدى الشباب والمراهقين على أرض الواقع مما يؤصل حالة من الترابط المباشر بين العنف الذي يحدث بين أبنائنا والعنف المقدم على الشاشة. ففي الدراما نحن نقتل مع القاتل ونموت مع الضحية.

أفضي ما سبق إلى أننا استيقظنا ذات صباح على سلوكيات عنيفة لنماذج غريبة على مجتمعاتنا العربية تحمل شذوذا نفسيا يتعارض مع أبسط القيم الإنسانية تطالعنا به وسائل الإعلام على صدر صفحاتها من حوادث عنف غير مبرر بين أشقاء الرحم والدم أو بين رفاق الدرب أو من ابن تجاه أسرته.

وغيرها من السلوكيات المؤسفة والمحزنة في الوقت ذاته والتي أرى أن مواجهتها بسيف القانون وحده غير كاف لأنها عرض لمرض، ولا يكفي التعامل مع العرض وترك المرض دون معالجة أو اجتثاث وبتر إذا لزم الأمر..

لذا فإننا نحتاج إلى إرادة جماعية تتناغم فيها كافة المؤسسات الفاعلة في عالمنا العربي بدءا من المؤسسات التعليمية والدينية ووزارات الثقافة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني بالإضافة إلى دور الأسرة للجلوس سويا بعيدا عن العمل بطريقة الجزر المنعزلة لفض هذا الاشتباك القائم بين الروافد المغذية لعقول أطفالنا وشبابنا وبين ما نود أن نراهم عليه..

نحتاج إلى شركات إنتاج عربية تقدم لأطفالنا رسوما متحركة من وحي بيئتنا وبعقلية عربية تعي أهدافها.. نحتاج إلى أفلام سينمائية لا تعتمد في مخرجاتها على أفكار مقتبسة من غيرنا في الشكل والمضمون تغرقنا في بحار من العنف البعيدة عن مجتمعاتنا لكنها توجعنا في أحبائنا وفلذات أكبادنا لأن من يزرع الحنظل لا يحصد إلا الشوك!

عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com