لا يجب أن نستغرب أن يكون دور العوامل الخارجية في تحديد مسار حركة القومية العربية حتى الآن على الأقل، أكبر مما تلعبه أي عوامل داخلية. فالدول العربية استمرت دولاً تابعة، بمعنى أو آخر، لقوى خارجية طوال المائة والخمسين عاما الماضية على الأقل. كانت تجربة محمد علي قد بدأت قبل أن تتم أي دولة أوربية ثورتها الصناعية.

ومن ثم قبل أن يكون لأي دولة أوربية أطماع ذات خطر في أي بلد عربي. ولكن هذه الأطماع اكتملت ودفعت الدول الأوربية إلى إيقاف محمد علي عند حده، قبل أن يكتمل، للأسف، مشروع محمد علي في إقامة إمبراطورية عربية.

منذ ذلك التاريخ، أي منذ سنة 1840 وقفت القوى الخارجية للعالم العربي بالمرصاد، فأصبح العالم العربي هو التابع، وهذه القوى الخارجية هي المتبوع، فكيف يمكن أن نتوقع أن يكون التطور الداخلي، سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا، هو الحاكم الرئيسي لمسار القومية العربية ؟

إن المغرمين بالبحث عن أساب اقتصادية واجتماعية في داخل أي مجتمع، لتفسير ما يحدث له في مختلف جوانب الحياة، كثيرا ما يكونون على حق عندما يتعلق الأمر بمجتمع منعزل عن العالم أو مجتمع يؤثر في العالم المحيط به أكثر مما يتأثر به، أو مجتمع لديه من الوسائل ما يحمي بها نفسه من هذه المؤثرات.

ولكن أيا من هذه الحالات لم تكن هي حالة العالم العربي طوال المائة والخمسين عاما الماضية، فلا عجب أن حركة القومية العربية، بل وفكرة القومية العربية نفسها ومشاعر الولاء التي تثيرها، تعرضت لعواصف عاتية هبت عليها من الخارج وتهدد الآن باقتلاعها من جذورها.بل لا يجب أن نستغرب.

والحال كذلك، أن تكون للعوامل الخارجية دور مهم، ليس فقط في ضرب القومية العربية إذا تعارضت مع مصالح دول أقوى، بل وحتى تشجيعها ودعمها إذا رأت هذه الدول مصلحة لها في نمو حركة القومية العربية ونجاحها.

لقد حدث هذا وذاك: التشجيع والدعم مرة، والضرب بقسوة مرة أخرى، طوال المائة والخمسين عاما الماضية، بل لقد بدأ الدعم والتشجيع حتى في أوائل تجربة محمد على في إنشاء إمبراطوريته العربية.

يقول جورج أنطونيوس في كتابه الرائع «يقظة العرب»: «من الثابت أن محمد علي كان ينوى بالإضافة إلى (إنشاء إمبراطورية عربية) السعى للاستيلاء على الخلافة نفسها، ولم يخف هذه النية.

وكان يعلم أن فرنسا تحبذ قيام مملكة مستقلة ومستقرة تضم بلادا كبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية واقعة على الطرق الكبرى المؤدية إلى الشرق، أو بالأحرى على طريق بريطانيا المؤدي إلى الهند. كما أن النمسا شجعته في مساعيه إذ أوفدت له الكونت بروكش أوستن في مهمة خاصة، وكان يحمل اقتراحات معينة.

ففي مذكرة له مؤرخة في 17 مارس 1833 رسم الخطوط الكبرى للمشروع الذي يقترحه نشأ من التفصيل. ويتلخص هذا المشروع في أن يتولى محمد علي الخلافة وينشئ دولة عربية تضم مصر والسودان والجزيرة العربية والشام والعراق. وقد فهم من هذا الاقتراح، أو على الأقل فهم محمد علي منه، أن الحكومة النمساوية تؤيده».

أما تجربة الثورة العربية التي قادها الشريف حسين خلال الحرب العالمية الأولى، فمن المعروف والمشهور دور بريطانيا (والى درجة أقل فرنسا) في دعمها وتشجيعها، بالسياسة والسلاح، لتسهيل استيلاء بريطانيا وفرنسا على المشرق العربي من يد الأتراك، ومنع ألمانيا من الظفر به.

أما تجربة جمال عبد الناصر في السعي إلى توحيد العرب، فهي أقرب إلينا تاريخيا من أن تسمح لنا بأن نتبين بوضوح دور العامل الخارجي في دعم هذه الحركة وتشجيعها، ولكن لا يمكن للمرء، مهما بلغ حماسه وتعاطفه مع الحقبة الناصرية، ألا يلاحظ ما حققته حركة القومية العربية من منافع للسياسة الأميركية.

خلال النصف الثاني من الخمسينات، في تقليص النفوذ البريطاني والفرنسي، في الخليج وعدن والأردن ولبنان والجزائر، وفي صد النفوذ السوفييتي الزاحف على المنطقة في هذه المرحلة من الحرب الباردة.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu