لا أحد ينكر تفوق الخيال الأميركي على غيره من أي خيال في العالم، وهذا ما شاهدناه كثيراً في أفلام هوليوود من أبطال خياليين يستطع الفرد الواحد منهم قهر دولة بأكملها، ومن خيال علمي واسع المدى قليل منه جيد ومفيد والكثير منه سيئ ومريض ومضر للمشاهدين، وهناك مبدأ كان يتبعه السوفييت في التعامل مع الأميركيين على جميع المستويات.
وهو أنهم لا يحبون التعامل الواقعي ويفضلون دائما كل ما هو غريب وشاذ وغير مألوف، فهم لا يؤمنون بالشعوب ومتطلباتها، بينما يثقون تماما في نظام حاكم يستطيعون من ورائه الحصول على كل ما يريدونه، وعندما يصطدمون بالواقع وبمطالب الشعوب لا يستجيبون لها، بل يذهبون يبحثون عن البديل للحاكم أو للنظام، إنها سياسة الفرد الطاغية على المجتمع الأميركي.
والتي يطبقها في كل شيء، في السينما وفي السياسة والاقتصاد، وحتى في الرياضة، فقد كان الأميركيون إلى فترة قريبة لا يحبون الألعاب الرياضية الجماعية مثل كرة القدم وغيرها، ويفضلون عليها الفردية مثل الملاكمة والمصارعة وما شابهها.
هذه الفردية في العقلية الأميركية جعلت الخيال يلعب دوراً كبيراً في معظم توجهاتهم السياسية، فهم يصنعون أعداءهم من محض خيالهم، ويجعلون من دولة ما وشعبها أعداء لمجرد أن حاكم أو نظام هذه الدولة يتناقض مع مصالحهم، علما بأن مصالحهم، وفقاً لسياستهم القائمة على الفردية، تتناقض دائما مع مصالح الآخرين جميعا، بما فيهم جميع حلفائهم وأصدقائهم، وليس فقط لأعدائهم وخصومهم السياسيين.
لقد دأبت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي على الانفتاح والتقارب مع جميع الدول بلا استثناء، ولكن الأميركيين يرون أن أي تعاون من جانب روسيا مع أي عدو لهم هو عداء من روسيا لهم، ويذهبون يفسرون الأمر بشكل فردي، فيقولون ان شخصا مثل ريس الوزراء الروسي بوتين تسيطر عليه النزعات السوفييتية القديمة.
وأنه نسخة جديدة من ستالين، وغير ذلك مما يصنعه لهم خيالهم، ولا يتصورون أبدا أن بوتين هذا رجل يحب الخير لوطنه وللآخرين، ويبحث عن مصالح بلده أينما كانت ومع أي دولة أو شعب آخر في أي مكان في العالم.
ورغم تقارب تفاهم موسكو وواشنطن في الكثير من القضايا الدولية، ورغم توقيعهم مؤخرا على اتفاقية جديدة للحد من التسلح النووي، ورغم ترحيب الرئيس ميدفيديف بالتعاون مع الرئيس أوباما وإعجابه به، إلا أن هناك في واشنطن من أصحاب الخيال المريض من هم مصممون على التعامل مع روسيا كعدو له طموحات توسعية في العالم كله.
وأثناء وجود ميدفيديف في واشنطن، خرجت صحف أميركية تنشر تقريراً وضعته منظمة اجتماعية أميركية تدعى ئُْميهَ ذٌُيك؟ ءََُّّكيفُّيَُ يضع روسيا وفنزويلا وإيران في ما أسمته «محور الشر الجديد» الذي «يهدد الولايات المتحدة والنظام الغربي كله» بحسب رأي المحلل شون غوفورت وهو واحد من خبراء هذه المنظمة السياسيين، ومعروف في الولايات المتحدة بأنه من خبراء السياسة لدولية الكبار.
ويقول غوفورت ان روسيا انضمت إلى ما يسمى «محور الوحدة» الذي شكلته إيران وفنزويلا في عام 2007 والذي يزداد قوةً ومناعةً ضد الغرب بفضل روسيا التي وقع رئيس وزرائها بوتين منذ أيام على اتفاقية تقضي ببيع أسلحة تزيد قيمتها الإجمالية على 5 مليارات دولار إلى فنزويلا.
وأن روسيا وافقت في عام 2007 على بيع منظومات صاروخية دفاعية متطورة (س-300) إلى إيران، ويقول تقرير المنظمة أنه مما يدل على انتماء روسيا إلى «محور الشر» جهودها لعرقلة فرض عقوبات دولية على إيران.. ويقول التقرير أيضا إن هذه البلدان مجتمعة تشكل خطرا رهيبا على «النظام الغربي».
وأن من الأهداف التي يسعى «محور الشر الجديد» إلى تحقيقها دق إسفين بين الولايات المتحدة وإسرائيل لكي لا تفكر إسرائيل في المبادرة بضربة عسكرية لإيران، ولكي يتسنى لإيران تحقيق برامجها مستقبلا.
هكذا يظل الخيال الأميركي المريض غارقا في أوهام الحرب الباردة السابقة، وللأسف الشديد أن هذا الخيال وهذه الجمعيات والمنظمات التي تضع مثل هذه التقارير المريضة لها تأثير غير مباشر على دوائر صناعة القرار الأميركية، وتتبنى نشر آرائها وأفكارها كبرى الصحف ووسائل الإعلام الأميركية.
كاتب روسي