تمثل أي انتخابات مهما كانت درجة نزاهتها وشروط إجرائها فتحا مبينا في العالم العربي، ذلك أن السياق الطبيعي في غالب بلداننا لا يزال على حاله منذ عقود حيث المواطن محتقر ولا رأي له، وفوق كل ذلك آخر من يعلم بممارسات السلطة التي تحكمه، فضلا عن حرمانه من ممارسة حقه الأصيل في اختيار الحاكم الذي يمثله.

وحتى عبارة على حاله التي تعد توصيفا لجمود سياسي طال أمده، تعتبر تجنيا على الواقع الذي يؤكد في كثير من حالاته أننا تقهقرنا للوراء أكثر.

منذ أيام كنت استمع إلى المناظرة الشهيرة بين الرئيس السادات وعبد المنعم أبو الفتوح رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة والتي جرت عام 1977 على موقع اليوتيوب، وتذكرت كيف ناقش الطالب بجرأة ورد رئيس الجمهورية غاضبا، ومع ذلك لم تحدث حركة تنقلات في الجامعة ولا تدخل الأمن ليعتقل الطالب الشجاع أو حتى يخرجه من القاعة، بل استعاد الرئيس زمام هدوئه وأخذ يناقش بصبر.

وتصورت لو أن المشهد تكرر اليوم في أي بلد عربي من المحيط إلى الخليج، بالطبع لا يستطيع أحد مهما كان قويا أن يعيد المشهد بمن في ذلك المرشحون للرئاسة (وليس طلاب الجامعة الصغار) وعلى رأسهم الدكتور محمد البرادعي أقوى من يطرحون احتمال الترشح لرئاسة مصر في الانتخابات القادمة والذي يحظى بمساندة إعلامية غربية نادرة.

من هذا المنطلق انظر إلى الانتخابات السودانية التي انتهت قبل يومين باعتبارها مصدر تفاؤل مهما كانت التجاوزات التي تشوبها والنتائج التي تسفر عنها، صحيح أن الديمقراطية ليست غريبة على السودانيين، فقد مارسوها على فترات متقطعة منذ انتهاء الاحتلال البريطاني وحتى عام 1989، لكن انتخابات هذه المرة تبدو مفصلية لعدة أسباب:

* فالحكم شبه العسكري والمستمر منذ عام 1989 حتى اليوم وصل إلى طرق مسدودة، تسلم البلد موحدة وانتهى بها مهددة بالتقسيم، تسلمها على علاقات جيدة (إلا قليلا) مع دول الجوار والعالم وانتهي بها مقطعة الأواصر مع كثير من بلدان العالم.

ومن ثم لم يكن لديه سبيل غير إبرام اتفاقات سلام مضمونة إقليميا ودوليا مع مناطق القلاقل الداخلية، ورغم أن سياسات الرئيس البشير تبدو كثيرا طامحة إلى الاكتفاء الذاتي وإحداث تنمية إلا أن ذلك ظل غير كاف.

* بناء على النقطة السابقة، فإن أهل الحكم في السودان أدركوا (ولو متأخرا كثيرا) أنه لا سبيل للنهوض بالبلاد إلا عبر توسيع قاعدة الحكم، صحيح أن المعارضة السودانية تبدو مفككة وغير مؤهلة لهذا الاستحقاق الانتخابي وكأنه فاجأها بليل، غير أن إرساء قاعدة الانتخابات كطريق وحيد للحكم يمثل في حد ذاته انتصارا للمستقبل.

* الثالث أن آفاق المستقبل تبدو مفتوحة ومبشرة، فاكتشاف النفط بكميات كبيرة وتربعه على عرش الموارد السيادية للسودان، وكذلك إدراك العالم العربي المتأخر بأهمية الاستثمار في زراعة الأراضي الشاسعة والعالية الخصوبة في جنوب الوادي، يمنحان السودانيين قسطا وافرا من التفاؤل بمستقبل لن يعيشوا فيه مرارات الماضي القريب، ذلك أن الحرية السياسية تمثل أهم مقوم من مقومات الحفاظ على الثروة الوطنية المنتظرة وإدارتها بشكل رشيد يتيح لها أن تنعكس على عموم المواطنين.

* الرابع أن التهديد بانفصال جنوب السودان عن شماله تهديد جدي ليس في مواجهة السودان وحده وإنما قد يشعل فتيل توتر في المنطقة يضاف إلى التوترات والنزاعات الإفريقية التي يبدو وكأنها غير مقدر لها الانتهاء..

ومن شبه المؤكد أن قادة الجنوب سيحاولون إقناع زعماء المنطقة بأن الانفصال بشطرهم لن يترك أي آثار سلبية، لكن التجارب القريبة والبعيدة لا تثبت غير حقيقة واحدة .

وهي أن تفكك بلد ما لكيانين أو عدة كيانات يولد صراعات لا تنتهي... شهدنا ذلك في الهند وباكستان وفي يوغسلافيا السابقة وعلى حدود السودان نفسه بين إثيوبيا وإريتريا، وهناك رهان غير مؤكد على أن تفرز الانتخابات الأخيرة واقعا سياسيا يعزز التوجه إلى الوحدة.

magdishendi@hotmail.com