لا تزال جزيرة قبرص الصغيرة هي أحد ميادين النزاع المستمر على الساحة الدولية.لقد حصلت هذه البقعة المتوسطية على استقلالها عام 1960 ،لكنها لم تعرف أبدا الاستقرار السياسي.
ويبقى الحدث الأكثر شهرة والأكثر خطورة منذ الاستقلال هو محاولة الانقلاب التي دبّرتها الدكتاتورية التي كانت تحكم في اليونان ضد الحكومة القبرصية والتي ردّت عليها تركيا بتدخّل عسكري في صيف عام 1974 .
ومنذ ذلك التاريخ تمّ تقسيم الجزيرة إلى قسمين . قسم شمالي للقبارصة الأتراك بوجود حوالي 30000 جندي تركي بينما القبارصة اليونان في القسم الجنوبي .
وفي عام 1983 تمّ الإعلان عن قيام الجمهورية التركية في شمال قبرص ولم تعترف بها سوى تركيا.هكذا منذ 36 سنة تقريبا جرت مئات محاولات التفاوض دون الوصول إلى حل لمشكلة التقسيم.
وفي عام 2004 لاحت آمال جديّة عندما حضّر الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي انان خطّة لإعادة توحيد الجزيرة.وفي شهر يناير ـ كانون الثاني من تلك السنة قام رجب طيّب اردوغان ،رئيس الوزراء التركي ، بانفتاح سياسي لا سابق له عندما قبل أن تقوم الأمم المتحدة بتحضير خطّة إعادة التوحيد.
لكن في الاستفتاء الذي جرى تنظيمه بالوقت نفسه بجزئي الجزيرة يوم 24 أبريل ـ نيسان من نفس السنة رفض حوالي 76 بالمائة من القبارصة اليونانيين خطّة انان وقبلها 65 بالمائة من القبارصة الأتراك.بعد أسبوع أصبحت قبرص عضوا في الاتحاد الأوروبي ،لكن الجزء التركي بقي واقعيا مستبعدا والقبارصة اليونانيون هم الذين استفادوا من الوضع رغم اقتراعهم السلبي حيال إعادة التوحيد.
استمرّت الجمهورية التركية في شمال الجزيرة بالوجود وبقي الجنود الأتراك فيها. هكذا جرت إضاعة فرصة استثنائية في هدم جدار يقسم إلى قسمين بلدا أوروبيا بسبب تعنّت القبارصة اليونانيين.
ومسؤولية تجميد الوضع تقع على هؤلاء وعلى أثينا وبالنتيجة على الاتحاد الأوروبي.ومن الصحيح القول إن الاتحاد الأوروبي عندما وعد القبارصة اليونانيين بالانضمام إليه قد اقترف خطأ دبلوماسيا خطيرا.
وقد فهم وزراء الخارجية الأوروبيين الذين اجتمعوا بعد يومين فقط من الاستفتاء خطأهم متأخرين وعبّروا عن إرادتهم في مساعدة القبارصة الأتراك وإقامة علاقات مباشرة معهم والموافقة على صرف مبلغ الـ 259 مليون يورو ـ رغم فشل الاستفتاء ـ التي كانت مقررة في حالة الاتفاق على إعادة التوحيد.
لكن ذلك القرار الذي صادقت عليه اللجنة الأوروبية لم يتم للأسف تنفيذه بسبب «الفيتو» الذي أعلنه القبارصة اليونانيون.إن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه في حالة عجز أمام هذا الملف المعقّد،ذلك أنه حَكَم وطرف بالوقت نفسه.
مع ذلك سمح انتخاب احمد علي طلعت كرئيس في الجزء التركي وديمتري كريستوفياس في الجزء اليوناني بتنشيط المفاوضات ،ذلك أنهما أقل تعصّبا ويعرفان بعضهما منذ فترة طويلة. وكانا قد التقيا منذ عام 2008 حوالي 80 مرّة لمحاولة إعادة التوحيد.
إن أسباب كبح الانفتاح الحقيقي لا تزال نفسها وتتعلّق بحقوق الملكية والتنظيم الحكومي والأمن والمسائل المتعلّقة بالاتحاد الأوروبي والملفات الاقتصادية.
وكان احمد علي طلعت قد اقترح في شهر يناير الماضي خطّة من 10 نقاط لاقتسام السلطات بين الطرفين على مختلف المستويات في دولة موحّدة وبحيث يتم التناوب على الرئاسة لثلاث سنوات من قبرصي يوناني يليها سنتان يترأس فيهما قبرصي تركي.
إن قسما من الحكومة القبرصية اليونانية رفض الاقتراحات المقدّمة التي تقوم على التكافؤ تقريبا بينما لا يشكل القبارصة الأتراك سوى حوالي 20 بالمائة من مجموع السكان .
وكان بان كي مون قد جاء نفسه إلى الجزيرة في شهر فبراير ـ شباط 2010 لمحاولة تسريع إعادة التوحيد لكن دون النجاح في ذلك . وفي مطلع شهر مارس ـ آذار الماضي حرّك رئيس الوزراء التركي الملف بإعلانه أن الجنود الأتراك قد ينسحبون من الجزيرة في حالة الاتفاق بين الطائفتين.أثار ذلك الموقف ردود أفعال كثيرة ابتداء برئيس الوزراء اليوناني الذي أعلن عن استعداده للقاء نظيره التركي بأقرب وقت بغية إيجاد حل عادل للمشكلة القبرصية.
لقد صدرت إذن سلسلة من المؤشرات الإيجابية لكنها لم تتجسّد .بل تعلّقت المحادثات في نهاية شهر مارس ـ آذار الماضي كي يتفرّغ احمد علي طلعت للحملة الانتخابية الرئاسية في القسم التركي يوم 18 أبريل ـ نيسان الجاري.
وفشله ،كما أشارت استطلاعات رأي عديدة ، قد يعني نهاية مسيرة المفاوضات.وكان ديمتري كريستوفياس قد صرّح أنه لن يترشّح في الانتخابات الرئاسية في القسم اليوناني عام 2013 في حالة فشل المسار التوحيدي الحالي.
الوضع في قبرص قد يعرف تغيير المناخ السياسي المؤّيد نسبيا للمفاوضات في الفترة الأخيرة.بكل الحالات سوف يتم إخضاع أي اتفاق قد يتم الوصول إليه لاستفتاء عام بينما لا تزال التيارات القومية قويّة على الطرفين.
ورغم المؤشرات الإيجابية يبدو أن العقبات لا تزال كبيرة أمام إيجاد حل لنزاع بلا نهاية.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس