الخيار الاستراتيجي الأول هو الخيار الإسرائيلي، واضح المعالم والأهداف، يستفيد من الشروط الموضوعية والظروف الدولية، يرخي عندما تشد، ويشد عندما ترخي، (لقد سرق منا شعرة معاوية)، يختال هنا ويحتال هناك، يكذب ويخادع ويراهن على الوقت، يهوّل بالمحرقة عندما يروق له.

ويخيف العالم مما يخاف منه، يظهر إسرائيل مستضعفة مهددة مظلومة محاصرة متى أراد، ويكشف عن أنيابها الحادة ونهجها العدواني وعنصريتها إذا وجد ذلك مفيداً، لا يردعه رادع لا قانوني ولا أخلاقي، لأن إسرائيل فوق الأخلاق بل هي التي تسوّغ القيم والأخلاق، فأرضها حيث وطئت أقدام سكانها، وعنصريتها هبة الله واختيار منه.

وهي أيضاً فوق القانون الدولي وحتى المحلي، فالقانون الدولي وضعه (الأغيار) المعادون لإسرائيل وحقوقها، والقرارات الدولية متأثرة دائماً باللا سامية، وحتى رؤساء لجان التحقيق اليهود (مثل غولدستون) الذي حقق في العدوان على غزة هم أيضاً لا ساميون والقانون الدولي لا يصلح إذا لم يكن لصالح أمن إسرائيل، فالعدالة نسبية.

وفي ضوء ذلك اقتضى الخيار الاستراتيجي الإسرائيلي تهويد القدس، بمصادرة الأملاك العامة فيها، والأملاك الخاصة والسطو على البيوت وطرد سكانها، فضلاً عن تملك الأوقاف الإسلامية (أليست أملاكاً عامة؟) .

وجلب آلاف بل عشرات آلاف المستوطنين وإسكانهم فيها، وهكذا فإن استحال على سلطة الاحتلال طرد السكان العرب كلياً منها يعملون على تحويلهم إلى أقلية لا أهمية لها في المدينة المقدسة.

وفي الوقت نفسه يعملون على توسيع هذه المدينة وتنفيذ مشروع (القدس الكبرى) التي تضم إليها القرى المحيطة بها بالتدريج حتى تبلغ مساحتها خلال سنوات قليلة جداً ربع مساحة الضفة الغربية، بحيث يستحيل على الفلسطينيين بعدها الزعم أنها القدس التي يعرفون، أو أنها ستكون عاصمة دولة فلسطين.

وفي أحسن الحالات عليهم أن يكتفوا بالمسجد الأقصى وما حوله وبكنيسة القيامة، وهذا يقوم مقام المدينة التي يطالبون بها (يقوم مقام النصر إن فاته النصر!).

أما الاستيطان، فلم يتوقف يوماً، لا أيام حكومات اليسار ولا أيام حكومات اليمين، وسيبلغ عدد المستوطنين في الضفة قريباً نصف مليون مستوطن، متعصب، أحمق، مسلح، كل شيء بنظره غنيمة حرب، فضلاً عن مصادرة الأراضي الزراعية وقطع الأشجار لتأمين طرقات التفافية للمستوطنات على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه وأرضه ومصادر عيشه.

ويقضي الخيار الاستراتيجي الإسرائيلي أيضاً الاستمرار ببناء جدار الفصل العنصري الذي لم يردع الحكومة الإسرائيلية عن متابعة بنائه لا احتجاجات الفلسطينيين ولا الرأي العام العالمي ولا محكمة العدل الدولية، ولا مجلس الأمن (أليس الجدار خيار استراتيجي).

هذه بعض الجوانب الراهنة للخيار الاستراتيجي الإسرائيلي، أما الجوانب الأخرى الأبعد مدى، فهي سياسة (الترانسفير) أي ترحيل الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر إلى خارجه.

وقد شمل الترحيل الآن بموجب قرار الحاكم العسكري عشرات الألوف من الضفة الغربية بحجة أنهم متسللون إلى أرضهم (؟!) فهذا يعني بدء تنفيذ سياسة (الترانسفير) في الضفة أيضاً فهي جزء من الاستراتيجية قريبة المدى وبعيدته. وفي الوقت نفسه تقضي الاستراتيجية الإسرائيلية استكمال الاستعداد العسكري وامتلاك الأسلحة الأكثر تطوراً، بما في ذلك الأسلحة النووية، وتهديد أي عربي يرفع رأسه.

وهكذا فالخيار الاستراتيجي الإسرائيلي يتمثل بالتهويد والاستيطان والترحيل والتسليح والتهديد، والعمل على أن تكون إسرائيل يوماً قائدة للشرق الأوسط الكبير أو عضواً رئيسياً في قيادته، إذا تحققت التسوية وقام هذا الشرق الأوسط.

مقابل هذا الخيار الاستراتيجي الإسرائيلي هناك الخيار الاستراتيجي العربي، الذي يرتكز على قاعدة أن (السلام هو الخيار الاستراتيجي) مما يعني استبعاد الحرب، أو التهديد بها، أو اللجوء إلى المقاومة أو دعمها، والاعتماد على الشرعية الدولية.

وقرارات مجلس الأمن للوصول إلى تسوية، مع أن هذه الشرعية وتلك القرارات لا تجد من يؤيدها أو يدعمها بل تخلى عنها حتى الذين وافقوا عليها (لو عدت لحاربك الداعون إليك).

ولذلك يتقدم العرب بالمبادرة تلو المبادرة، وفي كل مبادرة يضيفون شيئاً من الاعتدال أكثر من السابق (أي شيئاً من التراجع) والهروب من موقف إلى موقف، فتارة يتقدمون بهذه المبادرة وطوراً بمبادرة أخرى، ويصدرون البيانات، ويضعون فقرة خاصة تؤيد آخر مبادرة عند إصدار البيانات المشتركة مع الدول الأخرى.

وينتقلون من اقتراح إلى اقتراح، فها هم عندما عجزت منظمتهم الإقليمية عن اتخاذ قرارات ناجعة وقادرة على تغيير موازين القوى الحالية، يذهبون إلى تشكيل منظمات مبتكرة قد تفيدهم كما هي الحال مع رابطة دول الجوار، ويتسابقون إلى احترام القرارات الدولية التي لم يحترمها أحد سوى العاجز خلال تاريخها كله، ويستجدون اللجنة الرباعية والإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي (ومن هب ودب).

وبالتالي فالعرب يطمحون للوصول إلى تسوية مع العدو الغازي والمحتل والعنصري معتمدين على البيانات والبلاغات اللفظية واحترام (الشرعية الدولية وتنفيذ القرارات الدولية)، أمام عدو بنى استراتيجيته على الحرب والعدوان وإخضاع العرب وإنكار حقوقهم، وعلى الإمعان في التهويد والاستيطان والترحيل، وارتكاب المجازر دون أن يجد من يقول له (ما أحلى الكحل في عينك).

حقاً إن الخيار الاستراتيجي العربي خيار واقعي وعاقل ومعتدل ويرغب فعلاً في الوصول إلى تسوية، بينما الخيار الاستراتيجي الإسرائيلي خيار مجنون وعنصري ومتطرف وعدواني، ولا يردعه لا قانون دولي ولا رأي عام عالمي، ومادام الأمر كذلك، ولأن الخيار الإسرائيلي يرفض تغيير أهدافه وأسلوبه، فلم إذا لا يستفيد الخيار العربي من الأساليب نفسها التي يستخدمها العدو.

ويعمل جاداً بمسؤولية لإيجاد ميزان قوى جديداً، وتوظيف ما يملك من إمكانيات سياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها لإجبار العدو الإسرائيلي على تغيير خياره والقبول بالتسوية بل والسعي إليها، وبعد أن جرب العرب الأساليب (المعتدلة) لاستعادة حقوقهم، فلم إذاً لا يجربون استخدام الأساليب (غير المعتدلة) لتحقيق هذا الهدف؟.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org