تواجه الحكومات في عالم اليوم جملة من العوامل العصرية التي تشكل في مجملها عوامل ضغط تتحكم في صياغة العمل الحكومي وآلياته. ولعل الأزمة المالية العالمية وتداعياتها تشكل أحد أهم تلك العوامل، إذ لم يعد من الغريب أن تشكو الحكومة في بلد ما من أن مشروعاتها التطويرية قد تم إدخالها في «الثلاجة» بانتظار ظروف أفضل.
وبينما تواجه دول ذات اقتصاديات عريقة خطر الإفلاس المالي، فإن أحداً لا يستطيع إلا أن يلتمس العذر إزاء تجميد مشروعات تطويرية في مجال العمل الحكومي بانتظار معرفة المآل الذي ستفضي إليه الأزمة على مستوى العالم.
وفي المقابل فإن الشغل الشاغل للقائمين على مشروعات الحكومة عموماً، والحكومة الإلكترونية على وجه الخصوص، يتمثل في الكيفية التي يتم بها التكيف مع الأوضاع، والتحايل عليها وصولاً إلى الخروج بأقل الخسائر، وربما بما تيسّر من مكتسبات تنبع من الاستعداد لمجابهة التحديات.
ولعل من غير الممكن الحديث عن تداعيات الأزمة من دون التطرق للعامل النفسي الذي أفرزته وغذّته، بما في ذلك بواعث القلق المترتبة عليها، وقد أدى ذلك إلى شيوع مناخات أكثر تحفظاً وأقل رفاهاً انعكست على الإنفاق الحكومي من جهة، والنتائج المتوقعة للمشروعات الحكومية من جهة أخرى.
وبحسب تعبير أحد خبراء مؤسسة غارتنر الدولية، فإن مقولة «إنجازات كبيرة بموارد شحيحة» لم تعد كافية في عالم مصاب بالأزمة حتى النسغ، وإنما المطلوب هو «إنجازات كبيرة جداً بموارد شحيحة جداً».
فمن المتوقع أن يتنامى الضغط على ما هو متاح من موارد خلال السنوات القليلة المقبلة التي تشكل عمر الأزمة العالمية الراهنة، وليس مسموحاً التفكير بأن ذلك الضغط على الموارد سيعفي الحكومات من السعي لتحقيق الإنجازات، بل والوصول إلى الجودة والتميز حتى في ظل أصعب الظروف.
وإلى جانب الاعتبارات آنفة الذكر، يمكن القول إن المسار التطوري الذي اتخذته تقنيات المعلومات قد يسّر إمكانيات الوصول إلى حلول يمكن اعتبارها بمثابة فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها. فكما هو معلوم، بدأ الاعتماد المكثف على التقنيات الحاسوبية في الثمانينينيات من القرن الماضي.
وكان ذلك الاستخدام منطلقاً من الإنتاجية الفردية القائمة على توظيف أدوات المعالجة المكتبية، وبعد ذلك جاءت مرحلة الشبكات في تسعينيات القرن الماضي، حيث تم تشبيك المكاتب وبيئات العمل باستخدام البريد الإلكتروني، ثم المواقع الداخلية (Intranet) التي صارت جزءاً لا يتجزأ من بيئة العمل في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على السواء.
وخلال السنوات الأخيرة، ومع تطور الجيل الجديد من شبكة الإنترنت (Web 2.0)، أصبح التشارك هو عنوان العلاقة «الرقمية» بين الناس أفراداً ومؤسسات، إذ انتشرت مواقع الويكي، والمدونات، والشبكات التفاعلية، وباتت تتسم بقدر عال من المرونة والحضور.
واستطاعت حكومات عديدة أن تتناغم مع تلك المرونة الشبكية، ولم يكن الحضور الحكومي على شبكات التفاعل المجتمعي أقل بكثير من حضور القطاع الخاص بما عرف عنه من رشاقة وسعي حثيث نحو الربح.
وإذ ظلت التقنيات المتطورة وتقليعاتها تترى على شكل موجات تصاعدية، فقد تنامى الحديث خلال العامين الأخيرين عن ما يسمى بالحلول «الغيمية» التي تنبثق من مفهوم أوسع يسمى «التعهيد» والذي يتعامل مع البنى التحتية والتقنيات والتطبيقات والبرامج الإلكترونية على أنها أشبه بالمنافع التي يمكن الحصول عليها وفق الحاجة وبمقدار الحاجة.
وبالتالي فلا داعي لأن تمتلك كل «وحدة اقتصادية» بنيتها التحتية الخاصة، وكوادرها الفنية الكاملة، وبرامجها الإلكترونية وعتادها الصلب إلخ. والبديل يتمثل في أن تتوفر تلك الموجودات ضمن «غيوم» ترسل خدماتها على شكل «غيث» يروي ظمأ الجميع، كل حسب حاجته، وحسب قدرته على الإنفاق.
لقد وضعت الأزمة المالية حكومات إلكترونية عديدة في أوضاع لا تحسد عليها، نظراً لانتقال تلك المشاريع من أعلى سلّم الأولويات إلى مراتب دنيا على ذلك السلم. وكان يمكن للقائمين على تلك الحكومات أن يكونوا في وضع أكثر صعوبة لولا أن نظروا حولهم فوجدوا بعض الحلول العصرية التي من شأنها تمكينهم من التكيّف والاستمرار في تنفيذ برامجهم بكلفة أقل.
ولعل الحوسبة الغيمية (Cloud Computing) تمثل درة تلك الحلول. لهذا كله، سنسمع كثيراً في مستقبل الأيام عن «الغيوم» الحاسوبية وسنخوض كثيراً في أحاديث «غيمية».
ولن يحول القيظ الشديد بيننا وبين استحضار تلك الغيوم، وبحث آليات «استمطارها»، كلما تحدثنا عن مستقبل الحكومة الإلكترونية في ظل تداعيات الأزمة العالمية. وللحديث بقية إن شاء الله.
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات