لعل من أكثر المهام صعوبة أمام أطراف عديدة، إقليمية ودولية، مهمة التعامل مع طهران وذلك بسبب سعة الامتدادات الإيرانية وتعقيداتها في منطقة الشرق الأوسط وفي خارجها من جهة، وبسبب تصميم الجانب الإيراني على التمسك بكل ما يعتبره إنجازاً تم تحقيقه، من جهة أخرى.

إنجازات طهران التي تحرص على عدم التفريط بها تتلخص في جانبين:

أولهما: العلاقات المعقدة التي نسجتها مع دول أو أحزاب أو حركات أو أشخاص في مناطق مختلفة من العالم، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، وهي علاقات تسهم في توسيع مساحة الدور السياسي الذي تلعبه طهران والذي تعتبره حقاً تمارسه من منطلق كونها قوة إقليمية على الآخرين الإقرار بدورها وتقبله.

من جانبها تفسر الولايات المتحدة هذه الامتدادات الإيرانية على أنها تحشيد للقوى المعادية لها ولحلفائها لإلحاق الأذى والضرر بمصالحها.

وثانيهما: تعزيز البناء الداخلي المثير للجدل والذي يتصدره البرنامج النووي وبرامج التسلح الصاروخية التي تفوق كثيراً حاجات طهران للدفاع عن النفس.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، فرنسا بشكل خاص، متحمسون لفرض جولة رابعة من العقوبات على طهران وسط تردد روسي وآخر صيني مما يعني أن تشهد هذه الجولة ما شهدته الجولات الثلاث السابقة، اتفاق الحدود الدنيا التي لا تصطدم بالمصالح الكثيرة والمتشعبة لروسيا وللصين مع إيران.

فهاتان الدولتان تريان أن فرض المزيد من العقوبات ليس الخيار الأفضل لمقاربة الملف النووي الإيراني. ومع أنهما قد أكدتا، في أكثر من مناسبة، على أن الباب لم توصد تماماً في وجه التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة مع إيران، إلا أنهما لا تستبعدان الأخذ بخيار العقوبات.

ولكن الحديث عن العقوبات شيء وفرضها شيء آخر، فالصين لم تنضم إلى المباحثات التي عقدت في الأمم المتحدة بنيويورك لبحث فرض حزمة رابعة إلا مؤخراً بعد جهود دبلوماسية شاقة قامت بها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قدمت فيها تعهدات بتخفيض سقف العقوبات.

الموقف الأميركي إزاء الملف النووي الإيراني واضح الارتباك، ففي الكلمة التي ألقتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أمام منظمة «أيباك»، اللوبي الأميركي المنحاز لإسرائيل، في اجتماعها الأخير في الثاني والعشرين من مارس المنصرم، كررت الوزيرة أربع مرات، في مقطع واحد من كلمتها، بأن هدف الولايات المتحدة ليس فرض عقوبات لا تأثير لها على إيران وإنما فرض عقوبات ذات أنياب حادة.

ولكن ذلك لا يعدو، في ضوء تجربة سنوات عديدة من تعامل الغرب مع الملف النووي الإيراني، أن يكون تهديداً أجوف لا يخيف طهران. فالوزيرة ليست صاحبة القرار في شأن كهذا، كما أن الولايات المتحدة نفسها ليست جهة دولية حاسمة فيه.

إلا أن هذا التصريح يأتي في سياقات التحضير لفرض جولة رابعة من العقوبات على إيران ولا بد للوزيرة أن تقوم بصياغة تعبيرات فيها من الحدة والقوة ما ينسجم مع أجواء التحضير.

فعبر الجولات الثلاث من العقوبات التي فرضت على طهران في السنوات المنصرمة لم ير المتابعون لهذا الشأن أنياباً حادة تغرس في الجسد الإيراني وتلزم رأسه بالتفكير ملياً ببرامجه وخططه، كما كانت تلك الأنياب تغرس في الجسد العراقي على مدى اثني عشر عاماً كالحاً من الحصار.

لم تمض سوى ثلاثة أيام على كلمة الوزيرة الأميركية حتى طلعت علينا الصحف الأميركية بخبر مفاده أن إدارة الرئيس اوباما قد تراجعت عن مطالبها بفرض عقوبات صارمة على إيران أمام تحفظ كل من روسيا والصين. فالحزمة الرابعة من العقوبات سوف لن تطال قطاعي النفط والغاز في إيران وبالتالي لن يكون لها تأثير يذكر على الاقتصاد الإيراني.

إيران، دون شك، لن تأخذ ما تقوله الوزيرة الأميركية على محمل الجد خاصة وأن الرئيس أوباما نفسه والذي سبق وأن أنذر إيران، في العام المنصرم، من خلال تحديد أكثر من موعد نهائي لها لإبداء بادرة حسن النية تجاهلتها طهران، ثم.

وهو ما يثير السخرية حقاً، تجاهلها الرئيس نفسه حين أعلن مؤخراً في كلمته بمناسبة السنة الإيرانية (النوروز) بأن الولايات المتحدة تمد يدها بشكل دائم إلى طهران من أجل البدء بحوار دبلوماسي بناء.

سبق لإيران أن رفضت تعليق برنامجها النووي وسبق لها، عبر مناورات مدروسة، أن أحبطت خططاً غربية لإلزامها بالموافقة على إتمام تخصيب اليورانيوم خارج أراضيها (روسيا أو فرنسا)، وسبق لها أيضاً أن أحبطت صفقة تبادل ما لديها من يورانيوم منخفض التخصيب بآخر جاهز للاستخدام في المفاعل النووي البحثي الذي تمتلكه. كل ذلك قد تم في إطار زمني طويل استغرق عدة سنوات أثبت فيها المفاوض الإيراني براعته في الاستفادة من الخلافات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وبراعته في التسويف والمماطلة في ظروف تراجع فيها الدور الأميركي، الأكثر رغبة في تجريد إيران من قدراتها النووية، عالمياً.

وخلال ذلك تأقلمت إيران مع العقوبات التي فرضت عليها في ثلاث جولات وحصدت الكثير من النجاحات. فقد ضاعفت من أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم وضاعفت من رصيدها من اليورانيوم المنخفض التخصيب.

واتخذت خطوة أخرى بعثت مزيداً من القلق في الأوساط الغربية حين أعلنت بأنها ستعمل على رفع نسبة التخصيب إلى عشرين بالمائة لتوفير ما يحتاجه مفاعلها من وقود والاستغناء عن عقد صفقات التبادل المشار إليها.

ثم جاء إعلانها الأخير بالبدء بتشغيل جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي تزيد سرعاتها بمقدار ثلاث مرات على سرعات الجيل السابق، وعزمها على فتح مراكز جديدة للتخصيب ليضع نهاية لأي تفاؤل حول إمكانية تخلي طهران عن برنامجها النووي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae