أصبح شعار المطالبة بـ «الإبطال والاستبدال» بمثابة صيحة المعركة التي تستعد لها سارا بالين، ومعها حشد كبيرة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بعد أن نجح الديمقراطيون في تمرير إصلاحات الرعاية الصحية الشاملة.

وها هم الجمهوريون يستثيرون مخاوف الناس البسطاء، ويرهبون أولئك الذين لديهم تأمين صحي بأن تكاليفهم وضرائبهم سترتفع. وكأن ذلك ما كان ليحدث لولا إقرار إصلاحات الرعاية الصحية.

دعونا نعيد النظر والتفكير بالأمر. لقد ارتفعت تكاليف الرعاية الصحية 131 بالمائة على مدار العقد الماضي، في حين بلغ التضخم العام 28 بالمائة فقط. وإذا استمرت تلك التكاليف بالارتفاع بنفس الوتيرة، فبحسب مؤسسة عائلة كايسر، سوف تقفز بنسبة 166 بالمائة على مدار العشر سنوات المقبلة.

ومع ارتفاع التكاليف، ستدفع العوائل العاملة المحظوظة التي لديها تأمين صحي، رسوماً كشفية أعلى بينما ستحصل على تغطية أقل.

وكما هو متوقع، فإن عدد الأميركيين الذين ليس لديهم تأمين، يرتفع بوتيرة غير مسبوقة ؟ مع اتجاه شركات التأمين الاحتكارية في ظل الركود الاقتصادي إلى ترك أعداد متزايدة من الأميركيين بدون تأمين. في عام 2007، أفاد تقرير صادر عن مكتب الإحصاء بأن 46 مليون شخص يعيشون في أميركا بدون تأمين صحي.

كما أظهرت دراسة قام بها معهد نورث كارولينا الطبي أنه بحلول يناير 2009، كان هناك 52 مليون شخص غير مؤمن صحياً. وهذا يعني ارتفاع بنسبة 13 بالمائة في سنتين ؟ ولا بد أن الأمور أصبحت أسوأ بكثير اليوم، بعد أن وصل الركود إلى أسوأ مستوياته في 2009.

والمدهش في الأمر هو عدم الاكتراث لهذا الوضع من جانب عدد كبير من الزعماء السياسيين. ففي ولاية ألاسكا، التي جاءت منها بالين، كان هناك حوالي 140 ألف شخص- أي 20 بالمائة من السكان بدون تأمين في 2009.

وبما أن كبار السن لديهم تأمين «مديكير»، الذي يعتمد عليه المحافظون ويكرهونه في الوقت نفسه، فهذا يعني أن واحداً من بين كل أربعة أشخاص عاملين يعيش بدون تأمين صحي.

ومن شأن الإصلاحات الأخيرة في نظام الرعاية الصحية أن توفر التأمين الصحي لهؤلاء ؟ ما لم ينجح حزب بالين في سحب قانون الإصلاح.

ولقد صوت السيناتوران الديمقراطيان بلانشي لينكولن ومارك بريور من اركنساس ضد إجراء المصالحة. لكن كما في ألاسكا، فإن 20 بالمائة من سكان أركنسان يعيشون بدون تأمين صحي، بزيادة بنسبة 6 بالمئة خلال 2007 و2008 وحدهما.

ولقد قاد السيناتور جون كورنين، من تكساس، رئيس اللجنة الجمهورية الوطنية في مجلس الشيوخ، الهجوم على قانون الإصلاح، متهماً الديمقراطيين بإيجاد «رعاية صحية حكومية» شبيهة بالأنظمة الشيوعية.

متناسياً أن أكثر من 6 ملايين شخص يعيشون الآن بدون تأمين صحي في ولايته تكساس، أي أكثر بنسبة 28 بالمائة عن المتوسط العام في البلد، وبزيادة بنسبة 10 بالمائة منذ 2007.

ماركو روبيو، المرشح المحافظ الذي يخوض انتخابات عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، وقع على التماس جمهوري يطالب بإبطال مشروع قانون إصلاح الرعاية الصحية.

علماً أنه في فلوريدا، يعيش حوالي 4 ملايين شخص بدون تأمين صحي، أي أعلى بنسبة 25 بالمائة عن المعدل العام في البلد، وبزيادة بواقع نصف مليون شخص منذ 2007.

وبما أن السكان المسنين في فلوريدا مؤمنون صحياً عن طريق «مديكير» وفقراءها مؤمنون لدى «مديكيد»، فإن هذا يعني أن معظم الفقراء العاملين الذين الذي يخاطبهم روبيو على الأرجح ليس لديهم تأمين صحي.

لقد تم تمرير إصلاحات الرعاية الصحية رغم كل العوائق والعراقيل من جانب الجمهوريين الموحدين، وبرغم المعارضة الشديدة من جانب شركات التأمين وشركات الصناعات الدوائية، حيث أنفقت الصناعة ملايين الدولارات لحشد دعم جماعات الضغط للعمل ضد تمرير الإصلاحات، وعملت قصارى جهدها لإضعاف مشروع القانون بكل الطرق التي يمكن تصورها.

والنتيجة أن مشروع قانون الإصلاح ولد أضعف مما كان ينبغي، إذ ليس فيه خيار تأمين صحي حكومي، على شاكلة مديكير، لمنافسة شركات التأمين الخاصة وإرغامها على النزاهة في تعاملاتها.

وكذلك لم يتم أيضاً شطب الفقرة الشنيعة التي تحظر على مديكير التفاوض مع شركات الصناعات الدوائية للحصول على أسعار أفضل عند شراء الأدوية بكميات كبيرة.

أجل هذا صحيح، ففي خطوة فظيعة تكلفنا مليارات الدولارات وتساهم في جعل أسعار العقاقير الدوائية في الولايات المتحدة الأعلى على مستوى العالم، قام الكونغرس الجمهوري السابق، بقيادة توم ديلاي بتمرير فقرة شرطية تحظر على مديكير التفاوض للحصول على خصومات عند شراء الأدوية بالجملة.

ولقد نجح لوبي شركات الصناعات الدوائية في الإبقاء على تلك الفقرة في مشروع قانون الإصلاح الحالي.

لقد أخطأت بالين، وكل من يشد على يدها من الجمهوريين والمتظاهرين المحافظين، في الحكم على هذا الأمر. فنظامنا مفلس، وتكاليف الرعاية الصحية باهظة وآخذة بالارتفاع وأعداد الأشخاص الذي ليس لديهم تأمين صحي آخذة بالازدياد.

ونحن ننفق 50 بالمئة أكثر على كل شخص بالمقارنة مع بقية الدول الصناعية مع أن تغطية الرعاية الصحية لدينا تشمل نسبة أقل بكثير السكان.

وبطبيعة الحال فإن بإمكان الأثرياء تحمل نفقات رعاية أفضل، لكن متوسط الأعمار والمؤشرات الصحية في البلد ككل أسوأ منها عموماً في بقية الدول الصناعية.

والكثير من المعارضين الشعبيين الناشطين غاضبون من توجه الحكومة لخدمة مصالح وول ستريت بدلاً من خدمة مصالح الشعب، ومصالح البنوك الكبيرة بدلاً من خدمة الأعمال والمشاريع التجارية الصغيرة.

ومن الطبيعي إن هؤلاء منزعجون من الصفقات التي تمت وراء الكواليس وغيرت شكل مشروع قانون الإصلاح. لكن الرد على هذا لا يكون بسحب القانون أو إلغائه، بل في تعرية الأموال وجماعات الضغط التي تقف في وجه تحسين مشروع قانون الإصلاح عن طريق إقرار خيار التأمين الصحي الحكومي.

وإنهاء إعفاء شركات التأمين من إجراءات سحب الثقة، وإنهاء الحظر المشبوه المفروض على مديكير لمنعها من توفير أموال دافعي الضرائب عند شراء العقاقير الدوائية.

إن الأزمة التي تعاني منها العوائل العاملة أزمة حقيقية وليست مختلقة. فارتفاع تكاليف الرعاية الصحية يثقل كاهل الأعمال الصغيرة والعوائل. وتكاليف الدراسة في الجامعات مرتفعة جداً أيضاً.

وأولئك الذين يطالبون بنقض مشروع قانون الإصلاح الذي سيوفر التأمين الصحي بتكلفة معقولة لملايين الأميركيين، يجب أن يعيدوا النظر في مواقفهم. فالفقراء والمسنون تغطيهم «مديكير» أو «مديكيد»، وهذا الإصلاح إنما يخدم العوائل العاملة والأعمال التجارية الصغيرة، ومن الواجب علينا احترام هؤلاء ومراعاة مصالحهم.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae