أثناء قراءتي لكتاب (كشوفات ديستويفسكي) لفتت انتباهي فكرة السلم، حيث كان المؤلف عبد الرزاق صالح يتحدث عن رمزية السلم في رواية (الجريمة والعقاب) للكاتب الروسي حين ترد في بداية الرواية، ويقول إن ذلك السلم يوحي إليه بنقيضين.
حين يستخدمه البطل بين العلو (السمو) والهبوط (الانحطاط). لقد أراد راسكولينكوف أن يرتقي بنفسه حين أقدم على فعلته تلك «قتل العجوز المرابية» وذلك ليخلص البشرية من شرّها ومن هو على شاكلتها من البشر، لكنه بعد أن صعد السلم ليصل إلى منزل تلك العجوز ويقتلها لم يستطع أن يبقى مكانه بعد تنفيذ جريمته.
وكان لا بد له من الهرب والاختباء، لذلك نزل على درجات السلم نفسه الذي صعد عليه ظنًّا منه أنه يفعل الخير، وقد أدرك بفطرته أنه لا يجب عليه أن يبقى هناك أكثر كي لا يُكتشف أمره وعليه أن يغادر المكان فورا.
لو كان يؤمن حقا بأن فعلته تلك هي ارتقاء بالنفس، وتخليص للبشرية من شر يتربص بها، لما عاد للخلف خطوة واحدة، ولما نزل عن السلم الذي صعده في سبيل تحقيق هدفه درجة واحدة.
لقد كان عليه أن يصعد ويستمر في صعوده، أو لا يصعد إن كان سيضطر للهبوط بعد ذلك. الصعود نحو الهدف الصحيح لا يتطلب هبوطًا، لأن الهبوط تراجع، والصحيح لا يُتراجَع عنه، حين يدرك الشخص وقوعه في الخطأ فإنه يتراجع، وهذا ما حدث لراسكولينكوف، وما يحدث لنا أيضًا كثيرًا.
توقفتُ عند فكرة السلم، أو رمز السلم لا في الرواية المذكورة فقط، بل في الحياة عمومًا،.. خط الحياة عبارة عن سلم طويل لا بداية له ولا نهاية، وكل منا يختار الاتجاه الذي يريد أن يسلكه على هذا السلم، صعودًا أو هبوطًا.
القناعات البشرية مختلفة، تحكمها الخلفيات المعرفية والخبرات الحياتية والأهواء القلبية، وغيرها، لكن هناك قواعد عامة يكاد جميع البشر الأسوياء يتفقون عليها، قواعد توضح الصح من الخطأ.
والخير من الشر، والجميل من القبيح، وإن كانت كل هذه المفاهيم نسبية وتختلف من شخص لآخر في بعض التفاصيل، إلا أن الخطوط العريضة لها تكاد تكون موحدة.. عند الأسوياء من البشر فقط..
النجاح شكل من أشكال صعود السلم، حتى لو تعثرنا في بعض الدرجات، أو لو واجهتنا رياح شديدة تحول بيننا وبين التقدم صعودا، أو لو أصبح الصعود أكثر صعوبة كلما ارتفعنا أكثر نتيجة عوامل مختلفة داخلية وخارجية.
المهم هو الاستمرار في الصعود، إذا كان الشخص متأكدًا من أن الهدف الذي يسعى لتحقيقه والنجاح فيه يقع في دائرة الخير؛ فلن يصل إلى النجاح ؟وهو يتربع على «قمة « السلم- شخص اختار أن يتجه نحو «قاع « السلم.
الأخلاق أيضا سلم يتجه فيه الإنسان باختياره صعودًا وهبوطًا، ولا مجال فيه لاختلاف وجهات النظر، أو للإفراط في النسبية، فمن أراد السمو بأخلاقه ليس أمامه إلا اتجاه الصعود في هذا السلم، ومن أراد العكس، أو لم يهتم بالصعود، فلن يكون أمامه خيارات كثيرة سوى الهبوط.
العلاقات الإنسانية أيضا سلم آخر، من أراد أن يقيم علاقة مع شخص ما، أو يعزز علاقته بآخر، فإنه مضطر لصعود هذا السلم، بالوسائل المتاحة أمامه لتحقيق الهدف الذي ينشده، أما الذي لا يبالي بإقامة العلاقات أو بتعزيزها فمن الطبيعي أن يتجه في الاتجاه المعاكس للاتجاه السابق على السلم نفسه.
النجاح.. الأخلاق.. العلاقات.. كل هذه مجرد أمثلة على الفكرة الأساسية التي بدأتْ بها هذه السطور، وهو أن خط الحياة عبارة عن سلم كبير وطويل جدا، لا بداية له ولا نهاية، ولو تفكر كل منا في حاله سيجد أنه يقع في مكان ما على درجات هذا السلم، وأمامه ؟
على الرغم من التنوع والتعدد الظاهريين للخيارات المتاحة- خياران اثنان لا ثالث لهما فعليا، أحدهما هو الصعود على درجات هذا السلم، والآخر هو الهبوط، والخيار أولا وأخيرًا للإنسان نفسه.
بقي أمر أخير، وهو أنه لا يوجد أي شخص منا اختار في أي وقت من الأوقات اتجاهًا لسلم حياته واستمر عليه دون أن يغيره لسبب أو لآخر.
الطبيعي أننا نصعد حينًا ونهبط حينًا، ويمكنني أن أزعم بأنه لا يوجد أحد تمكن من أن يكون صاعدًا دائمًا أو هابطًا دائمًا، إننا دائمًا نراوح بين الاتجاهين ليس ترددًا أو تذبذبًا، لكنها طبيعة الحياة وطبيعة البشر أنفسهم، بين صعود وهبوط، وهذا ما يجعلنا متأكدين من أننا لسنا ملائكة.
جامعة الإمارات