أخيرا، بعد عشرات الاجتماعات الوزارية ومثلها اجتماعات اللجان النيابية اصدر وزير الداخلية والبلديات زياد بارود قراراً بدعوة الناخبين إلى الانتخابات البلدية والاختيارية على امتداد شهر مايو من 2 مايو إلى 30 منه.

بذلك بات مؤكدا حصول الانتخابات في موعدها الدستوري إلا إذا طرأ ما يوجب قيام المجلس النيابي بالتأجيل لعدة أشهر كما كان مرجحاً في الفترة الأخيرة.

فما هو تاريخ اللامركزية الادارية في لبنان وما هي المناخات التي تحيط بالانتخابات البلدية؟

تجد أولى تجارب المجالس البلدية جذورها في اليونان وروما قبل المسيح أول صيغة عرفها لبنان كانت عبر «المجلس الاستشاري» في العام 1833 إبان الحكم المصري للبنان أما أول مجلس محلي بلدي فقد تأسس عام 1814 في دير القمر حيث نشأت أول بلدية ثم انتقل العمل البلدي إلى بيروت عام 1867 ثم إلى صيدا وصور.

ومنذ ذاك تتوالى القوانين والتشريعات التي تنظم لامركزية الحكم بدءا من الأساس القاعدي الذي هو البلدية.

اليوم سيقبل اللبنانيون على انتخاب ممثليهم في البلديات من أصل نحو 14 ألف مرشح في مختلف القرى والبلديات فما هي الأجواء السياسية المرافقة؟

أولاً: كان ثمة تواطؤ طوال الأشهر الماضية على تأجيل الانتخابات بتوافق القوى السياسية المختلفة فالبعض كان يتذرع بضيق الفترة الزمنية الفاصلة عن موعد بدء الانتخابات والبعض كان يتذرع بضرورة إجراء إصلاحات جذرية على قانون الانتخاب المعمول به .

ويربط موافقته على الانتخابات بإجراء هذه الإصلاحات والبعض كان يخشى من اضطرابات أمنية في مرحلة حرجة على المستوى العام لكن إصرار رئيس الجمهورية وعدم ممانعة «التكتل الشيعي» القائم الزام القوى السياسية المختلفة بالموافقة على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري.

ثانيا: تحكم الانتخابات البلدية اعتبارات تختلف كليا عن الاعتبارات التي تحكم الانتخابات النيابية فالانتخابات النيابية تجري بين تيارات وأحزاب وقوى سياسية تطرح كل قوة برنامجها ورؤيتها وخياراتها السياسية والوطنية العامة ويقترع المواطنون على اساس انتماءاتهم السياسية.

خلال الانتداب الفرنسي وقبل الاستقلال كان الصراع السياسي بين تكتل الرئيس بشاره الخوري وتكتل الرئيس اميل اده اما في السبعينات فكان الصراع بين تكتل «الحلف» الذي ضم القيادات المارونية الرئيسية وتكتل «النهج» المحسوب تاريخيا على الرئيس فؤاد شهاب والمختلط طائفيا في المرحلة الأخيرة مع بدايات عام 2000 .

وخاصة بعد 2004 انقسم الصراع السياسي بين 8 و14 مارس كقوتين سياسيتين كبيرتين ومعلوم أن الانتخابات النيابية الأخيرة شملت صراعا محتدما بين هاتين القوتين اللتين تمثلان خيارين سياسيين متعارضين.

أما في الانتخابات البلدية فالأمر مختلف كليا فالانقسام ليس سياسياً وليس على قاعدة مشاريع ذات طابع وطني عام، بل يحصل الانقسام لاعتبارات بلدية وانمائية وعلى قاعدة صراع العائلات والعشائر والوجهاء.

لا على قاعدة الانماء، انه صراع النفوذ والوجاهة الاجتماعية والمشاريع الخاصة بالقرية أو البلدة من ماء وكهرباء ورصف وإنارة شوارع وإنشاء سدود واقنية وإنشاء أندية خصوصا في القرى والبلدات الصغيرة دون الـ 10 آلاف نسمة.

من هنا تكتسب الولاءات العائلية والعشائرية دورا مميزاً في الانتخابات ومعها تقوم الصراعات والخلافات على قضايا صغيره لا تمس السياسة القومية أو الاستراتيجية العامة.

ثالثاً: رغم انتفاء الطابع السياسي عن الانتخابات البلدية فقد لجأت القوى السياسية إلى إنشاء تحالفات تضمن لها السيطرة على المقاعد البلدية، باعتبار ان هذه المجالس هي قاعدة المشاريع الانمائية التي تمس حياة المواطنين بمن فيهم المحازبون فحركة «امل» و«حزب الله».

أعلنا تحالفاً على مستوى جميع القرى والبلدات مما يجعل اختراق اللائحة المشتركة بين الفصيلين الشيعيين الكبيرين أمراً مستحيلاً ومثله حدث على الساحة الدرزية بإعلان اتفاق النائبين وليد جنبلاط وطلال ارسلان على الائتلاف العام في جميع القرى الدرزية .

مما يحول أيضاً دون اية مفاجأة على صعيد النتائج أما في الوسط السني فان غلبة تيار الرئيس رفيق الحريري تجعل المعركة البلدية محسومة بدورها للوائح التي تحظى بمباركة تيار «المستقبل» يبقى الوسط المسيحي الذي سيشهد وحده تنافساً بين العائلات والأحزاب والتيارات لا يمكن الركون إلى نتائجه منذ اليوم.

رابعاً: معلوم أن الانتخابات ستجري وفق القانون المعمول به ولن يتم اعتماد الإصلاحات الواردة من مجلس الوزراء أو التي رفعها الوزير بارود إلى مجلس الوزراء (الانتخاب في مكان السكن وليس في مكان الانتماء الجغرافي.

النسبية في إحصاء النتائج، الكوتا النسائية) الأمر الذي يثير اعتراض الاتجاهات الإصلاحية في السياسة وفي المجتمع المدني. لكن ما كتب قد كتب وانقضى الأمر ولن يحظى اللبنانيون بقانون حديث للانتخابات.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae