هناك من يعتقد أن تقارب إسرائيل من روسيا خلال الفترة الماضية قد آتى ثماره وأن موسكو أصبحت مؤيدة للكثير من سياسات إسرائيل، وهذا حسب تصريحات كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، ولكن الواقع يقول غير ذلك، وليس لدى إسرائيل ما تعطيه لروسيا لكي تتنازل عن مواقفها الثابتة، وموقف موسكو من النزاع في الشرق الأوسط واضح ومعروف للجميع.
وقد شهدت العاصمة الروسية مؤخرا انعقاد لقاء رباعي الوسطاء الدولي، في ظل احتدام أزمة ملف النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. وجاء هذا اللقاء عقب قرار الحكومة الاسرائيلية بتشييد 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدس، بعد أن كانت جامعة الدول العربية قد توصلت لتسوية بالبدء بمفاوضات غير مباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين.
وكان واضحا أن قرار اسرائيل بتشييد المستوطنات الجديدة استهدف تعطيل قرار جامعة الدول العربية بالمفاوضات المباشرة والانحراف بمسار لقاء المجموعة الرباعية للوساطة عن مناقشة سير التسوية السلمية في الشرق الأوسط.
ما عكس بشكل واضح مساعي إسرائيل لإفشال أي مساع تستهدف إخراج المفاوضات السلمية من المأزق الراهن، ومن حالة الجمود. والانتقال بها إلى حالة مثمرة.
ولعل انعقاد لقاء رباعي الوسطاء الدولي في موسكو مكن من الخروج بهذا اللقاء إلى حالة ربما تقود لكسر الجمود الحاصل نتيجة سياسات حكومة تل أبيب، حتى وإن لم يأت بما كانت تريده إسرائيل.
وقد جاءت واشنطن بهدف أساسي هو تمرير الشرط الإسرائيلي بأن تبدأ المفاوضات دون أي شروط مسبقة. إلا أن الوضع الناجم عن قرارات حكومة نتانياهو أجبر واشنطن على تقديم تنازلات، تمثلت في إدانة سياسات إسرائيل الاستيطانية ومطالبتها بالتراجع عن قرار بناء مستوطنات جديدة. والتأكيد على رفض احتلال القدس الشرقية.
ما أدى عمليا لتحديد الظروف المطلوبة لاستئناف المفاوضات تمثلت في ضرورة ايقاف إسرائيل لأعمال البناء وهدم المنازل في القدس الشرقية، وإزالة المستوطنات التي شيدت منذ عام 2001. هذه الظروف التي نص عليها بيان المجموعة الرباعية جاءت كبديل لشروط اطلاق التفاوض السلمي بين إسرائيل والفلسطينيين.
واذا كانت الرباعية قد منحت مهلة لبدء المفاوضات لا تزيد على 24 يوما، بهدف إحراج الفلسطينيين، وإلزامهم باستئناف الحوار مع اسرائيل تحت أي ظرف، فإن بيان الرباعية تجاوب مع خطة حكومة فياض الخاصة ببناء البنية التحتية وأجهزة السلطة الفلسطينية خلال 24 شهرا.
ولم يكتف رباعي الوسطاء الدولي بطلب المساعدات والدعم للسلطة الفلسطينية، وانما حدد مهلة أخرى لإسرائيل يجب أن تنهي خلالها مفاوضات التسوية السلمية، والتي يجب أن تسفر عن إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل.
رغم أن نتائج اجتماع رباعي الوسطاء الدولي لتسوية النزاع في الشرق الأوسط خلت من آليات محددة لتنفيذ قراراتها، إلا أنها رسمت محاور هامة وأساسية لمفاوضات التسوية السلمية.
من أبرز هذه المحاور ضرورة تسوية أزمة غزة وبحث إمكانية فتح المعابر لإيقاف تدهور الوضع الانساني، واعتبار وضع القدس حساسا، ولا يمكن تحديده إلا من خلال مفاوضات بين طرفي النزاع، والإعلان عن أن احتلال القدس الشرقية غير شرعي.
وقد لاقى بيان رباعي الوسطاء الدولي ترحيبا دوليا، وأعربت كافة الأطراف المعنية عن ارتياحها لمواقف الرباعي، باستثناء الحكومة الإسرائيلية التي وجهت انتقادات حادة لبيان رباعي الوسطاء الدولي.
وفيما اعتبرت أغلبية الأطراف الدولية أن هذا البيان نجح في صياغة موقف دولي، يشكل أرضية صالحة لاستئناف المفاوضات السلمية بين أطراف النزاع.
أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن هذا البيان يبعد آفاق التسوية السلمية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وانتقد ليبرمان «الرباعية» على محاولة «فرض التسوية بصورة مصطنعة»، ووضع العملية في أطر مؤقتة غير واقعية.
ولا شك أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين كشفت مرة أخرى عن نوايا حكومة نتانياهو تجاه مساعي روسيا والمجتمع الدولي نحو دفع مسيرة التسوية السلمية وإخراجها من مأزقها الذي تسببت فيه إسرائيل.
حكومة تل أبيب بإصرارها على رفض كل الجهود الدولية لإطلاق المفاوضات السلمية تدفع بمنطقة الشرق الأوسط نحو هاوية حرب جديدة.
وتؤكد بذلك أنها لا تعبأ بقرارات المجتمع الدولي ولا تهتم بأمن واستقرار المنطقة، وهذا في حد ذاته أمر لا يقبله المجتمع الدولي وعلى رأسه روسيا التي لا تبتعد منطقة الشرق الأوسط عنها كثيرا، بل أصبحت امتدادا لأمن روسيا الإقليمي، مما يبرر مساعي موسكو للتهدئة والتسوية للخلافات بالحوار والتفاهم.
كاتب روسي