من مفارقات النقاش الذي يحتدم اليوم بين النخب في الغرب، العودة إلى ما يخالف المألوف الذي جاءتنا به ثقافات ما بعد الحداثة. ففي الوقت الذي تمضي فيه الليبرالية المعاصرة إلى مضاعفة مساراتها، يعود سؤال القيم ليحتل مكانة وازنة. فما الذي حدث؟ وكيف تظهر الصورة؟

يُصوِّر اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر توترات الحداثة وتداعياتها الأخلاقية بقوله: لقد صار سيد الآلة عبداً لها. وأمست الآلة عدواً للإنسان. وثارت الخليقة ضد بارئها.

كما لو كان الحاصل في الأمر جواباً مميزاً عن الخطيئة الآدمية. ثم يضيف: لقد انتهى تحرر الجماهير إلى رعب المقصلة، والقومية أدت إلى الحرب، كما قاد مثال التحرر المطلق الإنسان إلى الدمار الذاتي.. وهكذا تفتحت مع الحداثة أبواب العدمية منذ مطاف السير الأخير للثورة الفرنسية.

وقبل بضعة عقود، كان للمفكِّر المعروف هربرت ماركوز إشراقات مُعتَبرة حول الصورة الأخلاقية للمجتمع الصناعي الغربي. لقد كشف عن ظاهرة الإنسان ذي البعد الواحد. فَوَجَدَ أن المواطن في هذا المجتمع فَقَدَ حقّه في الحياة بمجرد أن سلَّم للمجتمع مقاليد أمره.

فتوهَّم بأنَّه يعيش الحرية، فيما هو يغرق في بحر سحيق من انتهاب المعنى. رأى ماركوز يومها أنَّ «المجتمع المستلب» يلبِّي حاجات وهمية لإنسانه من خلال الدعاية الكاذبة ووسائل الاتصال الجماهيرية الخادعة.

وفي اعتقاده أنه إذا كان المجتمع يحرص على تلبية هذه الحاجات المصطنعة، فليس ذلك لأنَّها تؤدي شرط استمراره ونمو إنتاجيته فحسب، بل أيضاً لأنها خير وسيلة لإنتاج الإنسان المسلوب، القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد والمتكيِّف معه.

وما الإنسان ذو البعد الواحد في هذا المعنى، إلاَّ ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية. فإذا كان (هذا الإنسان) يتوهم بأنه حر لمجرد أنه يستطيع أن يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها له المجتمع لتلبية «حاجاته».

فما أشبهه من هذه الزاوية بالعبد الذي يتوهم بأنه حر لمجرد أن مُنحت له حرية اختيار أصفاده (...)، على أن المجتمع الصناعي المتقدم -بحسب نقَّاده- لم يزيف حاجات الإنسان المادية فحسب، بل إنه أضفى الزيف أيضاً على حاجاته الفكرية، أي على نمو حركة فكره بالذات.

فها هنا بالذات يستحيل الفكر حقلاً مفتوحاً على الاستباحة. والفكر في توظيفاته واستخداماته الإيديولوجية هو عدو لدود للذين يقطنون مجتمع السيطرة، لأنَّه يمثِّل قوة العقل النقدية، السالبة، التي تتحرك دوماً باتجاه ما ينبغي أن يكون، لا باتجاه ما هو كائن. وهذه القوة هي في خاتمة المطاف قوة إيديولوجية.

ولعل المفارقة العجيبة التي يسوقها نقاد أخلاقيات ما بعد الحداثة قولهم: إنَّ المجتمع ذا البعد الواحد قد أحاط الإيديولوجيا بالازدراء والتحقير باسم عقلانيته التكنولوجية، بل هو سعى إلى مصادرتها وإبطال مفعولها.

ثم ليعود وينتجها على نصاب المصالح واستراتيجيات الهيمنة. مع أنَّ هذا لا يعني أنه أفلح في مسعاه، أو أنه لم تعد هناك إيديولوجيا، فإن ما حصل بالفعل هو أنَّ المدينة التقنية أصبحت هي نفسها الإيديولوجيا السارية في الزمن.

من أبرز ما أسفر عنه منطق التحولات الذي استغرقته الرحلة الطويلة للحداثة الغربية، كان إدخال الإنسان في لجَّة اللاَّيقين. أما كارثة التحرر التي تحدَّث عنها ماركوز فهي تلك التي دفعت العالم إلى فضاء اللاّعقلانية بوسائط عقلانية. وهنا تكمن على نحو خاص قوة المجتمع ذي البعد الواحد: أي إكساء الطابع العقلاني لجموحه وجنونه.

لقد ذهب صنَّاع هذا النوع من المجتمع إلى تسويق ما عرف ب«الفكر الإيجابي». وهو الفكر الذي يمهِّد الأرض لسيرورة القبول والإذعان وعدم الاحتجاج. حين أن الأشد مدعاة للهلع في هذه السيرورة، هو أنَّ الفكر الإيجابي غالباً ما يكون ناتجاً من امتثالية صارخة للأمر الواقع.

كأنما القبول القسري ؟ «الفكر الإيجابي» سيتحول شيئاً فشيئاً إلى إيمان به، وإلى اعتقاد بفضائله. وبحسب ماركوز فإنَّ «القبول بالفكر الإيجابي هو قبول قسري، لا بحكم الإرهاب المباشر، وإنما بفعل سلطة المجتمع التكنولوجي وفعاليته الساحقة.

في حين أنَّ الفكر الإيجابي يؤثر من هذه الزاوية المحددة في الوعي العام، وبالتالي في الوعي النقدي. ويظهر ذلك بسطوع في التجربة اليومية التي ثبُتَ عجزها عن التمييز بين الظاهر العقلاني والواقع اللاّعقلاني.

لقد ذهبت العقلانية إلى «أدلجة» نفسها حتى الرمق الأخير. لكنها لم تستيقظ بعد من شغف الاستحواذ وضراوته. بل انها أدخلت نفسها والعالم في ما يهبط بهما نحو كونية بلا أخلاق. حتى لقد بدا المشهد الإجمالي على صورة عالم بلا عقل.

وأن عقلانية ما بعد الحداثة، تظهر اليوم كما لو أنها في ذروة الخروج على العقل. ومع ذلك تعود المفارقة لتستنتج أحوالها على نشآت شتى. فهي لا تغادر منظومتها الصارمة، حتى في اللحظة التي تنزاح فيها نحو التطيُّر المطلق..

فوق ذلك، منحت العقلانية الليبرالية «فكر ما بعد الحداثة وتنويرها المعاصر» قابلية صريحة للاستخدام. ولسوف تجد فيه ما يلبي نداءها المقدس. فالعقل ـ على ما جاءنا من تعريف لماهيّته ـ يملك القابلية في أن يتخذ من ذاته موضوعاً للجدل. مثلما يملك القدرة على التوجُّه نحو العالم واتخاذ معطياته موضوعاً للكلام والفعل.

ولهذا سنرى كيف أن الإشكاليات والأسئلة على الجملة، تثار خارج العقل وداخله، في اللحظة نفسها، وبواسطة العقل إياه. لكن تظهير السؤال حول مواقعية الأخلاق في فضاء العقل، سوف ينمو ويتضاعف في الفضاء اللاّمتناهي لعالم الإنسان. وخصوصاً في حمأة الارتحال المتواصل لحداثات الغرب وأطوارها اللاحقة.

بعد العولمة بقليل، سنجد كيف يعود إشكال الحداثة وما بعدها إلى سيرته الأولى، لتستأنف أسئلة الأخلاق رحلتها على نصابٍ آخر...

ثمة ما يدنو من الاتفاق على فراغٍ في المنظومة القيامية للغرب. ويجري السؤال عمن سيملأ مثل هذا الفراغ. وعما إذا كانت المسيحية المعاصرة بجناحيها الكاثوليكي والبروتستانتي، قادرةً على إنجاز هذه المهمة...

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com