وقع وزير الدفاع اناتولي سيرديوكوف مع نظيره الأوسيتي الجنوبي يوري تانايف اتفاقية حول القاعدة العسكرية الروسية الموحدة في أوسيتيا الجنوبية. والتي تتحمل روسيا بموجبها مسؤولية حماية هذه الجمهورية، في ظل توتر الأوضاع على امتداد حدود أوسيتيا الجنوبية، وتنامي خطر استخدام القوة مرة أخرى من جانب جورجيا.
وكان الرئيس دميتري ميدفيديف قد وقع قانونيا المصادقة على الاتفاقيتين مع أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا حول الجهود المشتركة لحماية حدود هاتين الجمهوريتين. وتمنح كل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بموجب هاتين الاتفاقيتين روسيا صلاحيات حماية حدودهما ومجالهما البحري.
بل وينص أحد بنود الاتفاقيتين على تخويل روسيا صلاحية تمثيل مصالح الإقليمين في البلدان التي لا توجد فيها ممثليات دبلوماسية لهما.
وتعطي هذه الاتفاقيات الشرعية لوجود القوات الروسية في أوسيتيا الجنوبية، والتي تتمركز في قاعدة واحدة لها عدة فروع. إذ يقع مقر قيادة القاعدة العسكرية الروسية في تسخينفال عاصمة أوسيتيا الجنوبية. كما تنتشر أيضا عدة فرق من المشاة الآلية حول القاعدة في العاصمة الآوسيتية.
وتوجد وحدات من القوات الروسية في بلدة جافا، إضافة لموقع خاص لتدريب القوات الروسية بالقرب من العاصمة الأوسيتية الجنوبية. وتحدد الاتفاقية عدد العسكريين الروس المسموح لهم بالوجود في أوسيتيا الجنوبية ب4000 عنصر، ولكنها تراعي إمكان تغيير هذا الرقم عند الحاجة.
ولاشك في أن هذه المنطقة تشكل أهمية استراتيجية بالنسبة لدول القوقاز، باعتبار أنها تجاور حوض بحر قزوين، وطرق نقل الطاقة من منابعها في آسيا الوسطى، الأمر الذي يعني أن الوجود الاقتصادي الروسي سيكون محمياً ومدعوماً بوجود عسكري.
وكانت واشنطن منذ سنوات طويلة قد حاولت تنفيذ خطط لنشر قواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، ووضعت برنامج «حراسة بحر قزوين» الذي سيمتد لعقد كامل. إذ تولي الولايات المتحدة في إطار البرنامج المذكور أهمية خاصة لمنطقة القوقاز عموما، باعتبار أنها منطقة ملائمة لنشر قوات المارينز.
ويشمل البرنامج الأميركي أيضا إنشاء مقر للقيادة مجهز بمحطات رادار حديثة جداً في العاصمة الأذربيجانية باكو ليقوم بتغطية كل منطقة قزوين.
وتكشف الأوساط الروسية أن عدم تجاوب باكو مع هذا البرنامج، دفع الولايات المتحدة للبحث عن موقع آخر في جورجيا. وبدأت في إعداد القوات الجورجية وتجهيز الموقع. وكان واضحاً أن تنفيذ البرنامج الأميركي سيشكل تهديداً للمصالح الدفاعية لروسيا، خاصة وأنه يشتمل أيضا على منظومة لمراقبة المجال الجوي والبحري.
وبعد انتهاء الحرب الجورجية تمكنت موسكو من تثبيت أقدامها في القوقاز. وجاءت اتفاقاتها الخاصة بالتعاون العسكري مع أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لتمنح وجودها العسكري شرعية قانونية.
إلا أن هذا لا يعني نهاية الصراع. إذ تواصل دول الناتو تسليح القوات الجورحية، ما يعني أن الإقليم يمكن أن يشهد حربا جديدة لتمرير مخطط نشر القواعد الأميركية في هذه المنطقة.
ومن ضمن أهداف إعداد جورجيا عسكريا، هو تحويلها إلى قاعدة يمكن أن تعتمد عليها القوات الأميركية في حال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران. بعد أن رفضت اذربيجان التورط في الصراع ضد إيران، بعبارة أخرى، سيكون الطريق من جورجيا إلى إيران مفتوحا دون أي معوقات.
وما زال نظام ساكاشفيلي جغرافياً وسياسياً مؤهلاً لتقديم خدمات من هذا النوع، باعتبار أنها قد تمكنه من الحفاظ على نفسه من هبة داخلية تطيح به.
واللافت أن الغرب ما زال يتجاهل الأمر الواقع، ويرفض الاعتراف بأن روسيا قد فرضت نفوذها العسكري والسياسي على هذه المنطقة ولم يعد ممكنا الحديث عن إزاحتها. لكن الوضع الراهن يقتضي التعامل بموضوعية مع التوازن السياسي والعسكري في القوقاز.
وهو ما سيدفع الناتو لإعادة النظر في سياساته في هذا الإقليم، واحترام المصالح الروسية.
لأن التشدد وتوجيه اللوم والانتقادات لن يجديا نفعاً، وقد أصبح النفوذ السياسي والعسكري الروسي أمرا واقعا يجب التعامل معه. ولعل استبدال ساكاشفيلي يمكن أن يكون الخطوة الأولى والأكثر نفعا من جانب الغرب نحو تفاهم مشترك مع روسيا لتحقيق الأمن والاستقرار في هذا الإقليم.
بل وتحقيق المنفعة المشتركة أيضا. ويجب التذكير بما سبق وأعلنه رئيس الحكومة فلاديمير بوتين بأن روسيا لن تسمح بتكرار المغامرات العسكرية في القوقاز، وأنها ستواصل دعم أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا سياسياً واقتصادياً.
خبيرة الطاقة الروسية