دخل القضاء على خط الخلاف السياسي بين الجيش والحكومة التركية على خلفية التحقيقات حول الكشف عن محاولة انقلاب عسكري ضد حكومة العدالة والتنمية منذ عدة سنوات.

فقد تضاربت قرارات القضاة، بعد إفراج أحدهم عن 19 من المتهمين، ثم أمر قضاة آخرين بإعادة اعتقالهم وتفجرت بذلك أزمة جديدة حول القضية الانقلابية التي تعود إلى العام 2003. والتي تسمى مخطط «باليوز» أي مطرقة الثلج، الانقلابي.

وهذة الأزمة الجديدة فجرها النائب العام الجمهوري بإيقافه أوامر الاعتقال بعد تسع ساعات فقط من بدئها وتوقيف المسؤولين عن ملف القضية عن العمل. وفور صدور القرار بوقف أوامر اعتقال المشتبهين جدد في القضية في مرحلتها الثالثة وتوقيف المدعين العامين المسؤولين عن ملف القضية عن العمل.

وتعيين مدعين آخرين صدرت اتهامات غير رسمية حول ورود اسم النائب العام نفسه في ملف القضية كمشتبه فيه، في الوقت الذي ارجع النائب العام قراره إلى أن المدعين لم يطلبا الإذن منه في عمليات التفتيش والتوقيف.

وهذة الأزمة فتحت الباب أمام الحديث عن تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون القضاء، وحول انتقال الاستقطاب الحاد الذي تواجهه الساحة السياسية التركية إلى مؤسسة القضاء.

ورأى مراقبون أن التناقض في القرارات التي صدرت عن المؤسسة القضائية يشير إلى المرحلة السياسية والقضائية العسيرة التي تمر بها تركيا حاليا، حيث كثر الحديث عن انحياز مؤسسات الدولة سواء القضائية أم العسكرية لطرف دون آخر، وكأن هناك حربا خفية لتصفية الحسابات تجري وراء الكواليس بين تلك المؤسسات.

وفي كل الأحوال فان المجتمع التركي، وليس أي من المؤسسة العسكرية أو حكومة العدالة والتنمية، هو الذي سيدفع ثمن هذا الخلاف، لان مثل هذه الخلافات التي تنال من المؤسسات الكبرى في الدولة تدفع المواطنين إلى الشك في أية قرارات مستقبلية تصدر عن المؤسسة القضائية، وهو الأمر الذي يصيب العدالة في مقتل، بعيدا عن أي صراع سياسي أو خلاف فكرى تشهده البلاد في الوقت الراهن.

وما يحدث في تركيا حاليا هو محاولات من فرقاء مختلفين لتوظيف المؤسسة القضائية من اجل تحقيق مصالح سياسية ضيقة من دون إدراك لتأثير ذلك على المجتمع، وعلى مستقبل السلطات، والتوازن فيما بينها.

فالحكومة وجدت هذة التحقيقات فرصة لكي تضيق الخناق على المؤسسة العسكرية، ولكي تهييء الرأي العام التركي لتعديلات دستورية تقلل من فرص تدخل الجيش في العملية السياسية، وهي تسوق هذة التعديلات باعتبارها من متطلبات الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي.

لكنها لم تطرحها إلا بعد ان شعرت بان المؤسسة العسكرية في موقف ضعيف بسبب تداعيات التحقيق في محاولة الانقلاب العسكري السابق الإشارة إليها وهي التي استعدت لعقد اجتماع ضم كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش من اجل التوصل إلى تسوية لهذة الأزمة.

أما المؤسسة العسكرية، فهي ترى أن ما تفعله الحكومة ما هو إلا محاولة للحد من دورها والقضاء عليه تماما، والدور الذي تتمسك به هذة المؤسسة هو الحفاظ على علمانية الدولة، ويبدو أنها ترى حاليا محاولات الحكومة لتقليص هذا الدور.

وكلنا يعرف أن مؤسسة القضاء التركي هي من المؤسسات العلمانية، وتريد الحكومة عبر التعديلات الدستورية أن تتحكم في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء بما يقلص سيطرة العلمانيين عليه، فحدث تحالف بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء من اجل الوقوف ضد الحكومة في هذا الأمر، وما يحدث حاليا هو نتاج لهذا التحالف، أكثر منه تدخلا من الجيش في شؤون القضاء.

وفي كل الأحوال فان ما يحدث في تركيا يعيد بالصراع العلني بين النخبة العلمانية بجناحها المدني والعسكري وحزب العدالة والتنمية إلى صدارة الأحداث السياسية، بما يحدث تأثيرات سلبية على المجتمع، وهو ما يؤكد أن المجتمع التركي، هو الذي سيدفع ثمن هذة المواجهة الجديدة بين الجانبين.

خاصة وان المؤشرات التي شهدتها تركيا في السنوات الخمس الأخيرة كانت تؤكد عودة الاستقرار الداخلي ووصول الصراع بين النخبتين العلمانية والإسلامية إلى حده الأدنى.

إن حكومة العدالة والتنمية أصبحت تشعر بالاستقواء في مواجهة النخبة العلمانية بعد النجاحات الانتخابية التي حققتها في السنوات الماضية، وفى ظل استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز الاستطلاع المتعددة والتي تؤكد تزايد الرضا الشعبي عن أدائها. في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسة العسكرية تشعر بالخطر من تراجع دورها.

وهذا الوضع أعاد إنتاج الأزمة التركية مرة أخرى وفق معطيات جديدة، قد تتطلب أسلوبا جديدا في التعاطي معها، خاصة وان أي من الطرفين المتصارعين مازال يرتب أوراقه ولا نعلم ما إذا كان أي منهما يريدها أن تكون مفتوحة، بالطبع فان العدالة والتنمية هو الذي يحظى بدعم الرأي العام.

وبالتالي فهو المستفيد من أن يتحول الصراع إلى صراع مفتوح، ويبدو انه سعى إلى هذا الأمر منذ بداية الأزمة الأخيرة حتى يهييء الرأي العام للتعديلات الدستورية التي يبدو انه يريد أن يطرحها في استفتاء عام، لأنه لن يستطيع أن يؤمن لها الاصوات المطلوبة داخل البرلمان.

وفي كل الأحوال فان المجتمع التركي سيكون هو الخاسر سواء حقق أي من الجانبين الانتصار على الآخر، فهذه صراعات يعتبر المنتصر فيها مهزوما.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com