شدّني موضوع تطرق إليه أحد الكتّاب في عموده بإحدى الصحف.. بعنوان «التجربة العراقية، والتجربة العمانية»...
وقارن الكاتب بين التجربتين، وأشار إلى إحداهما وهي التجربة العراقية وما نتج عنها من الاندفاع في أخذ الثأر والانتقام بين المتصارعين على السلطة السياسية العراقية السائدة حالياً، نتيجة لما كانت عليه حالة العراق في عهودها السابقة من الاستبداد السياسي لا سيما بعد الانقلاب على الملكية الدستورية عام(1958)..
وأشار الكاتب إلى التجربة العمانية، وكيف أن العهد الجديد الذي خلف العهد القديم في عمان، استطاع أن ينتصر على مخالفيه، وأن أكبر انتصار لقيه هذا العهد العماني الزاهر هو التغلب على هوى النفس بالابتعاد عن مبدأ الانتقام وأخذ الثأر من المخالف..
والحقيقة أن هاتين الخصلتين، خصلة الانتقام والثأر، غير مقبولتين، ويمجها الذوق المدني لدى الانسان المتحضر .. وعندي أن القيادة العمانية عندما قالت لمناوئيها، عفى الله عما سلف، كما يقول الكاتب، لم تخرج عن هذا الاطار المتمدن.. إطار السماحة والمرونة وترك البغضاء، والابتعاد عن العنف والقهرية..
وهذا الإطار في واقع الأمر هو ما يتسم به الإنسان العماني، وما عرفت به أخلاقيات الإنسان العماني في التعامل مع نفسه ومع الآخرين، داخل عمان وخارج هذا القطر العريق..
وما حصل في عمان وعلى يد قادة عمان المتمدنين، حصل ما يشابهه وما يماثله في الإمارات، التي هي شقيقة عمان، وبينهما من أواصر القربى ما هو معروف للجميع.. لقد حصل التعامل الراقي..
وحصل العفو عن المسيء، والتسامح مع المسيء، وتمهيد السبل أمام هذا المسيء لكي يعيش عيشة عادية لا يعتدي ولا يعتدى عليه..
وجاء ما حصل في الإمارات، في صورة المؤسسات التي ورثتها الدولة، دولة الإمارات العربية المتحدة عند قيامها عام 1971، وانضمام الإمارات المتفرقة إلى كيان دولة واحدة.
. وكانت مؤسسة الجيش، جيش ساحل عمان، أو قوة ساحل عمان، إحدى أهم المؤسسات التي أصبحت نواة لجيش الدولة الحديثة ..
وكان هذا الجيش كما هو معروف قائماً، منذ بدايات الخمسينات من القرن الماضي، تحت إدارة ضباط الانجليز، الذين كان جلهّم من القاعدة الجوية البريطانية في الشارقة، ولكن معظم جنوده وأفراده من أبناء المنطقة وخاصة البدو، الذين كان الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله حريصاً على انخراطهم في هذا الجيش وترك التشتت القبلي الذي كان يعيشه البدو يومئذ، والتمهيد لقيام الدولة المدنية والمجتمع المدني الذي تمخض بقيام الإمارات العربية المتحدة..
ولعب هذا الجيش دوراً كبيراً في الذود عن كيان المناطق الإماراتية، التابعة لإدارة الشيخ زايد رحمه الله في واحة البريمي، ورد المغيرين على أعقابهم، في حوادث ما تعرف بأزمة البريمي المعروفة.
وكان جيش ساحل عمان قد اشترك في اخماد التمرد والعمليات الإرهابية في عمان التي كانت تقوم بها جماعات غرّر بهم من قبل بعض الأنظمة الراديكالية المتشددة في المنطقة العربية التي كانت تعيش حالة من الافراطية والاضطراب والعنف السياسي، وموالاة الأنظمة الشيوعية والفاشستية في العالم..
ولم تكد دولة الإمارات، يستقيم عودها حتى قامت باستلام زمام الجيش، وكان أوّل وزير ومشرف لهذا الجيش هو الشيخ محمد بن راشد، الذي كان أوّل مسؤول قيادي من الإمارات، تلقى تدريبه العسكري في كلية مونز العسكرية في بريطانيا، واليه يرجع الفضل في تنظيم الشرطة والأمن العام في دبي على قواعد من النظم الحديثة..
وكان أوّل شيء فعله قائد الجيش الجديد الشيخ محمد بن راشد بتوجيه من القائد الكبير الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، هو إصدار قرار العفو العام عن المعتقلين المغرر بهم والمشار اليهم فيما سلف ونقلهم من السجن إلى منزل خاص..
واجتمع الشيخ محمد بن راشد بهؤلاء واخبرهم بقرار الدولة ؟ التسامح مع المسيء- والرغبة الأكيدة من قادة الإمارات لفتح صفحة تاريخية جديدة للتلاحم بين القيادة والناس، وبناء الدولة على أسس من التواد والتراحم ؟ والعفو عما سلف ؟
وبهذا الإجراء المتحضر، وضع الشيخ محمد بن راشد نفسه في مرتبة القادة الكبار في التاريخ.. الذين لا يأخذهم زهو النصر، ويعفون عند المقدرة ومن الذين عناهم الشاعر العربي بقوله:
«شُمس العداوة حتى يُستقاد لهم» وأعظم النّاس أحلاماً إذا قدروا
كاتب إماراتي