إن أي محاولة لاستشراف مستقبل القومية العربية، يجب أن تحاول الإفادة من دروس التاريخ الذي عرضته باختصار في المقال السابق (البيان 5\4\2010).

أعتقد أن قارئ التجارب الثلاث التي مرت بها القومية العربية في الصعود ثم السقوط، منذ محاولة محمد علي والي مصر إقامة إمبراطورية عربية في العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع عشر.

لابد أن يلاحظ اشتراك هذه التجارب الثلاث في سمتين أساسيتين تتعلق إحداهما بطبيعة النظام السياسي والتركيب الاجتماعي اللذين سادا العالم العربي في كل من الحقب الثلاث، وتتعلق السمة الثانية بدور العوامل الخارجية في حالة بعد أخرى من حالات الصعود والسقوط.

وسأبدأ أولًا بتناول السمة المتعلقة بالأوضاع الداخلية ثم أنتقل في المقال المقبل إلى دور العوامل الخارجية.

لابد أن نلاحظ أولًا في كل التجارب الثلاث، تجربة محمد علي، وتجربة الحسين بن علي وتجربة جمال عبدالناصر، غلبة دور الزعيم أو القائد على دور المساهمة الشعبية أو الجماهيرية، أو بعبارة أخرى، الطابع النخبوي الضيق للغاية الذي اتسمت بها الحركة القومية.

نحن نعرف جيداً أن محمد علي في سعيه لإقامة إمبراطورية عربية لم يكن مدفوعاً لا بحركة شعبية ولا بمصالح طبقية، بل ولا حتى بمشاعر قومية أو دينية من جانبه. إن محمد علي لم يكن على أي حال عربياً، ولم يكن هو ولا ابنه إبراهيم يتقنان اللغة العربية، وإنما كان الدافع الأساسي لدى محمد علي مطامح شخصية بحتة لنفسه ولأسرته.

كان ابنه إبراهيم أكثر تعاطفاً بكثير مع الفكرة العربية، ولكنه بدوره لم يكن مدفوعاً في فتحه لبلاد الشام بأكثر من دوافع شخصية له ولأبيه.

نحن نعرف أيضاً أن الشعور القومي العربي طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر كان أضعف بكثير من الشعور الديني.

نعم، كان العرب من مختلف الأديان يشعرون بكراهية شديدة للاستبداد التركي، ما جعلهم يستقبلون الفاتح المصري أحياناً «بالتأييد والتهليل والتكبير» على حد تعبير جورج أنطونيوس، ولكن هذا الفتح المصري لم يكن يستند إلى أي مصالح طبقية كتلك التي استندت إليها الحركات القومية في أوروبا في نفس القرن.

يجب أن نلاحظ أيضاً أن مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر كان من التأخر وحالة التعليم من التردي، ووسائل الاتصال بين بلد عربي وآخر من البدائية بحيث تمنع كلها أي نمو ذي شأن لحركة تستهدف الوحدة العربية.

لا أعتقد أن علينا أن نعلق أهمية كبيرة في تفسير نجاح أو فشل الحركة القومية على مدى نبل الدافع إليها. فالحركات القومية، سواء في ذلك القرن أو غيره، نادراً ما عرف عن قّوادها نبلُ الدافع أو تجردهم من المصالح الشخصية، ولا أظن أن الحكم على أي حركة قومية من هذه الزاوية يتسم بالحكمة.

فكثيراً ما تنتج أفضل الأشياء من أهداف غير نبيلة، وكثيراً ما تنجح مطامح الحاكم الشخصية في أن تثير لدى الناس العاديين أنبل المشاعر وتدفعهم دفعاً إلى تحقيق أعظم الأهداف.

ولكن المؤكد على أي حال أن نجاح محمد علي وإبراهيم في توحيد مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز تحت إمرتهما لم يكن تلبية لمطلب شعبي ولا استند إلى مصالح شعبية أو طبقية.

كان الوضع من هذه الزاوية أفضل قليلاً بعد نصف قرن، فقد أصبحت الوحدة العربية وإحياء الحضارة العربية مطلباً حقيقياً لدى شريحة واسعة من المثقفين في المشرق العربي. لم تأتِ قيادة هذه الحركة من مصر في هذه المرة، بل قامت في الشام والجزيرة العربية.

كانت الحركة الوطنية في مصر منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر في 1882 تهدف إلى تحقيق الجلاء. وبدا هدف الوحدة العربية أو إحياء المجد العربي للمصريين في ذلك الوقت هدفاً بعيداً عن الهدف الحالي وهو التحرر من الاحتلال البريطاني.

بينما كانت الأهداف التي تحملها فكرة القومية العربية في بقية بلاد المشرق العربي، متسقة تماماً مع هدف التحرر من الاستبداد التركي، ومن قهر اللغة التركية للغة العربية، وهدف توحيد المشرق العربي كله من محتل واحد، هو الدولة العثمانية.

ومع هذا فلم تكن الحركة القومية في هذه المرحلة أيضاً تستند إلى أي مصالح اقتصادية ذات شأن، ولا إلى تأييد طبقة أو شرائح اجتماعية تجد لها مصلحة قومية في تحقيق الوحدة.

إذ لم يكن التطور الاقتصادي في ذلك الوقت في أي بلد من البلاد العربية قد أسفر عن ظهور أكثر من طبقة متوسطة صغيرة للغاية ترتبط مصالحها بالزراعة ولا تعتمد بدرجة تذكر على التجارة أو الصناعة اللتين كانتا تخضعان بدرجة ساحقة لسيطرة الأجانب.

المدهش أن شيئاً مماثلًا، وإن كان بدرجة أقل، يمكن أن يقال عن الحركة القومية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. كانت هذه الحركة بدورها نابعة من أعلى وتستند إلى شعبية الزعيم أكثر مما تستند إلى مصالح اقتصادية، وإلى طموحات مثالية أكثر من الرغبة في تحقيق منافع طبقية.

نعم، كانت الطبقة المتوسطة قد نمت بشكل ملحوظ في الكثير من البلاد العربية خلال العقود الأربعة الفاصلة بين سقوط الثورة العربية وقيام دعوة عبدالناصر القومية، ولكن هذا النمو كان راجعاً إلى انتشار التعليم أكثر منه إلى النمو الاقتصادي، ولم يكن دافع الحصول على سوق أكثر اتساعاً أو فتح مجالات جديدة للاستثمار، أو الحصول على مواد أولية، تشكل أهمية تذكر لدى المنادين بالوحدة العربية في ذلك الوقت.

كانت الدوافع الأساسية لدى دعاة الوحدة العربية وأنصارها في الخمسينات والستينات تتعلق أساساً بتحقيق الاستقلال السياسي (خاصة لدى الدول العربية التي كانت لاتزال محتلة) والاستقلال الاقتصادي عن الدول الاستعمارية أو المتقدمة اقتصادياً.

وهذه الدوافع، على الرغم من نبلها، وبعكس الدوافع الاقتصادية الأنانية المباشرة لم تكن قادرة على الصمود طويلًا أمام ما يمكن أن يوجه لأصحابها من ضربات من جانب من لهم مثل هذه الدوافع الأنانية المباشرة.

الذي أريد أن أخلص إليه الآن، هو أن نقطة ضعف أساسية كانت تشترك فيها التجارب القومية الثلاث السابقة: تجربة محمد علي، وتجربة الحسين بن علي، وتجربة عبدالناصر.

كانت كلها حركات قومية تلقى على الناس من علٍ، وتقودها شخصيات قومية ومُلهمة وقادرة على تجميع الناس حول هدف الوحدة، أو على الأقل على إجبار الناس على قبوله، ولكن هذه الحركات كانت بطبيعتها غير مؤهلة للصمود طويلاً في وجه عواصف آتية من الخارج.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu