أعلنت واشنطن في السادس من أبريل الجاري عن عقيدتها النووية الجديدة، والعقيدة العسكرية تختلف عن الإستراتيجية العسكرية، حيث تحدد العقيدة المبادئ التي يقوم عليها العمل العسكري للدولة بينما الاستراتيجية تحدد الخطط والأدوات والأهداف الرئيسية للعمل العسكري.

الولايات المتحدة الأميركية وروسيا اللتان تملكان أكبر ترسانة عسكرية ونووية في العالم، وتملكان معا ما يكفي لتدمير العالم كله عشرات المرات، هما الدولتان اللتان تتزعمان الحملة الدولية للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفي نفس الوقت هما اللتان تعلنان جهرا عن عقيدتهما واستراتيجياتهما التي تسمح باستخدام هذا السلاح النووي وتحدد كيفما يحلو لها الظروف والأحوال التي من حقها فيها أن تستخدمه.

وكانت موسكو قد أعلنت عن عقيدتها النووية عام 2006، وعادت مؤخرا في ديسمبر الماضي لتضع عليها تعديلا غاية في الأهمية والخطورة، حيث أعطت نفسها الحق في البدء باستخدام السلاح النووي.

وقد دأبت روسيا منذ عودتها للساحة الدولية بقوة خلال العقد الجاري على إخفاء أو إنكار أية طموحات لديها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى حتى لا يسبب ذلك أية تخوفات لدى شركائها وأصدقائها الجدد وحتى لا تعوق انفتاح اقتصادها على الساحة الدولية، لكن مؤشرات الأحداث في أواخر العام 2009 المنصرم تعكس توجهات سياسة جديدة لدى روسيا يطغى عليها بوضوح استعراض القوة.

وفي كلمته أمام البرلمان الفيدرالي الروسي في أكتوبر الماضي أعلن الرئيس ديمتري ميدفيديف صراحة أن روسيا تستطيع الآن الإعلان عن نفسها كدولة تملك وضع القوة العظمى.

كما أقر البرلمان الروسي في العشرين من ديسمبر الماضي قانونا يسمح لروسيا بتوجيه ضربة نووية استباقية تجاه أي هدف يشكل خطرا على أمنها القومي، وهو القانون الذي لم يستطع الاتحاد السوفييتي من قبل إقراره حتى لا يخيف العالم منه، وفضل السوفييت الإبقاء على حقهم في الرد بالسلاح النووي ضد أي هجوم مماثل.

عندما أعلنت واشنطن أنها ستعلن عن عقيدتها العسكرية النووية مؤخرا توقع البعض أنها سترد على موسكو بعقيدة قوية وتعلن مثلها عن منح نفسها الحق في توجيه ضربات نووية استباقية.

ولكن فوجئ الجميع بتراجع وهدوء في اللهجة الأميركية يتفق إلى حد كبير مع توجهات الرئيس باراك أوباما لتحسين صورة وسمعة أميركا، حيث جاء في عرض وثيقة العقيدة ألأميركية الجدية أن الولايات المتحدة تلتزم بعدم استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها ضد الدول الأخرى التي لا تمتلك أسلحة نووية ومنضمة إلى معاهدة منع الانتشار.

كما تؤكد وثيقة العقيدة الجديدة أن الولايات المتحدة ستنظر في مسألة استخدام الأسلحة النووية فقط في الحالات القصوى لحماية مصالحها وحلفائها وشركائها.

وتشير اأيضا إلى أن الولايات المتحدة ستواصل تقوية أسلحتها التقليدية للتقليل من دور الأسلحة النووية في صد الهجمات غير النووية، ولجعل الهدف الوحيد من الأسلحة النووية متمثلا في «التصدي للهجمات بالسلاح النووي» على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ذكر أن العقيدة النووية العسكرية الأميركية التي سيعلن عنها ستفرض قيودا على استخدام بلاده للأسلحة النووية بما في ذلك حال الدفاع عن النفس. وأكد أوباما أن هذه السياسة هي جزء من جهد أوسع على الصعيد الدولي من اجل التخلي عن السلاح النووي وخلق حوافز للدول للتخلي عن طموحاتها النووية.

وكأن واشنطن أصبحت حمامة السلام النووي بينما روسيا باتت هي الذئب النووي الذي يهدد العالم، ولكن الحقيقة والواقع يختلفان كثيرا عن العبارات والشعارات الدبلوماسية الرنانة.

حيث في الوقت الذي تلتزم فيه روسيا ببقاء قواتها بمختلف أنواعها، بما فيها النووية، داخل أراضيها، نجد الولايات المتحدة تنشر قواتها وأساطيلها في كل أنحاء العالم، وتخوض حروب غير مبررة تدمر فيها المدن وتقتل مئات الآلاف من الأبرياء، وفوق ذلك تذهب لتضايق روسيا بالسعي لضم جيرانها من الجمهوريات السوفيتية السابقة لحلف الناتو.

وتسعى لنشر منظومات صواريخها ودفاعها الصاروخي الاستراتيجي على الحدود الروسية، بينما لا يشكو أحد في العالم من أية تهديد من روسيا لا نووي ولا غيره. وكأن العقيدة النووية لدى البلدين ما هي إلا أقوال مناقضة تماما للأفعال.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru