الزنجي الأصل المسلم الديانة قبل وبعد، الطيب القلب قبل الانتخابات.. الإنسان العادي قبل وغير العادي بعد الانتخابات: السيد الرئيس باراك أوباما...
تهلل وتبرك العرب ومعظم المسلمين بقدومه وكأنه اللون الأسود الذي سيعيد لهم بياض أمجادهم الضائعة، والمنقذ لهم من الظلم الذي هم ؟ وليس الدهر وليست إسرائيل ولا أصدقاؤها ؟ سبباً فيه على أنفسهم.
وجلس باراك أوباما على كرسي الحكم في أعظم قوة عسكرية وصناعية ونفوذ في العالم وربما في التاريخ. وهو يعلم في قرارة نفسه ان ثقافته وأصوله لا تحقق أهداف الدولة التي سيديرها من البيت الأبيض مع مجموعة من دهاة السياسة والمخابرات.
وأخذتنا مع بداية عهده العواطف يمنة تارة ويسرة تارة أخرى. وكانت أفكاره والخطوط العريضة لسياساته الموضوعة على طاولة الرئاسة تنادي الجميع بالاستعداد لدخول عصر جديد من السلام في العالم.
غير أنه لم تمض على رئاسته أيام حتى جاءته المفاجأة الأولى متمثلة في الانهيار المالي. وفهم أوباما بأن الأمور لا تجري بعصا سحرية. وبدأت أرجل كرسي الرئاسة التي يجلس عليها أقوى رئيس دولة في العالم تهتز من تحته.
وبدأت شعبيته تتهاوى بأسرع من البرق وهو لم يمض بعد سنة على توليه مقاليد الحكم. حتى الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش كان أفضل منه في فترة حكم مشابهة.
ويبدو أن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن. فحتى موافقة الكونغرس على إصلاح نظام التأمين الصحي الذي دافع عنه أوباما باستماتة لم توقف الخط البياني لشعبيته عن الانكسار. وكانت الأسباب عديدة ولكن أقواها ربما: شخصية الرئيس الرومانسية في إدارة الأمور الشائكة.
لا أعرف ان كان هناك من جلس مع الرئيس ليدله على أصول الحكم في دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية بترسانتها النووية ومعاهداتها الثقيلة ومصالحها المتشابكة ومخابراتها المنتشرة على كل سطح بيت.
ولينبهه إلى أن الإنسانية والحكم لا يتفقان، وعليه أن يسارع في نسيان ماضيه الأليم وأجداده الفقراء. وربما سلمه نسخة من كتاب (الأمير) لميكيافيللي الذي قام بتأليفه عام 1513م، بعد أن فشلت محاولات إقامة دولة أفلاطون المثالية في عالم تتنازعه مصالح القوم وقادتها.
غير أن تحول الحمائم إلى صقور بشكل مباغت يعتبر من المستحيلات، فهي مسألة تركيبة بيولوجية سيكولوجية سوسيولوجية وربما جينية داخلية معقدة تولد مع ولادة الشخص، ولا يمكن في كثير من الأحيان مجرد محاكاتها. وبالفعل تغير أسلوب باراك أوباما بعد فترة وجيزة من إذاعة انحدار شعبيته في أميركا وإسرائيل.
وحيث انه لم يجد من سبيل إلى ذلك سوى استخدام الفقراء والمساكين الذين كان ينتمي إلى طبقتهم في يوم من الأيام، فقد أعلن زيادة القوات الأميركية في أفغانستان بدلاً من خفضها كما كان يذيع قبل الانتخابات.
ولم نجد تطوراً يذكر على الأرض في العراق والوجود الأميركي هناك يحكم قبضته يوماً بعد يوم على منابع نفطه وفي زيادة هلوسة التفجيرات الدموية. ويبدو أن أوباما الفقير الأصل اضطر إلى نسيان معاناة الفقراء والمستضعفين في العراق وأفغانستان وفلسطين.
وبالذات شعب فلسطين الذي تصادر أرضه يوماً بعد يوم ويرمى به في مزبلة التاريخ. وشعرنا بالدهشة من سكوت وصمت بل ودعم أوباما الضمني لهذه الإجراءات. أما مظاهر (الزعل) التي أبداها أوباما إعلامياً أمام إصرار حكومة نتانياهو في الاستمرار في مصادرة أراضي الفلسطينيين وبناء المستوطنات عليها، فهي مجرد غمزة.
وفي أول أيام انتخاب أوباما وبناءً على تصريحاته المستمرة ظننا أن أزمة ملف إيران النووي سوف يسوى بطرق عقلانية تبعد شبح الحرب والدمار عن المنطقة.
غير أنه سرعان ما قلب ظهر المجن، وأصبح أكثر تحمساً للحرب من بوش. فهذا الأخير كان يعرف جيداً ما نتائج الحروب في منطقة تسمى الشرق الأوسط وما مؤداها، وحتمية فشلها بعد مجموعة من التجارب العسكرية التي قام بها. أما أوباما فإنه يبدو غير مدرك لخطورة المسألة، ويستمع لكبار مستشاريه الذين يريدون أن يعيدوا ترميم سمعة الولايات المتحدة كدولة عظمى لا تفهم سوى لغة الحرب.
بل أصبح أوباما يقود معسكر الحرب على إيران وهو من يحمل الطبلة في يده ويدق عليها في كل مناسبة ودون مناسبة.
مكيافيللي عنده حق. فلكي تظل أميراً مهيباً ورئيساً للولايات المتحدة لأطول فترة زمنية ممكنة، ويعاد انتخابك بعد سنتين، وتشغل الناس عن فشلك في إدارة الحكم فعليك بالعصا والسيف معاً.
صحيح أن موضوع الملف النووي الإيراني لا يمكن حله فيما يبدو إلا بالقوة. ولكن من سيدفع الثمن؟ نحن، شعوب أهالي المنطقة وليس شعب الولايات المتحدة ولا شعب إسرائيل بالطبع.
إن سياسة أوباما الجديدة في توجيه أنظار الشعب الأميركي إلى طبول الحروب الخارجية وعلى رأسها (إيران) لا يمكن أن يغطي على مشكلاته الداخلية ولا على فشل سياسته في المنطقة ولا على زيادة شعبيته التي وصلت إلى أدنى مستوياتها في فترة زمنية قياسية.
جامعة الإمارات