تعتبر الشبكة العنكبوتية واحدة من أهم اختراعات القرن العشرين، وعلى حد تصوري فإنها يمكن أن تغير وجه الكون كله في قرننا هذا، حيث هددت عروش حزمة من وسائل الاتصال وأدواته، وأوجدت نمطاً حياتياً مختلفاً، جعل العالم على نحو أقرب إلى الواقع مجرد قرية صغيرة، فلا مسافات ولا فروق توقيت بين الحدث ومعرفته، ولا حوائط عازلة ولا جدران يمكن أن يخفي أحد الحقيقة وراءها.

مثل طوفان جرفت الانترنت في طريقها كل شيء ومنحت لمستخدمها كل الوسائل في وسيلة واحدة وتهدد بأن تجعل الصحف والكتب والهواتف وأجهزة التلفزيون مجرد أشكال حفرية للحياة. كما أنها ظلت العنصر الأساس حين تحول الكمبيوتر الشخصي إلى كمبيوتر محمول وحين يتحول الكمبيوتر المحمول إلى هاتف نقال بنفس الإمكانات والبساطة.

الانترنت أزالت الحدود والحوائط، فبعد الفضائيات التي كانت تتيح بقية من تحكم الدول فيما تبث عبر إغلاق المكاتب أو التضييق على المراسلين، أصبح بإمكان أي شخص أن يذيع ما شاء من معلومات، ولأن المجتمع البشري لم ينضج بنفس درجة نضج الوسيلة أصبحت الصورة والفيديو دليل الإثبات والمدخل إلى الثقة.

ورأينا في أحداث الاحتجاج التي أعقبت الانتخابات الإيرانية كيف غابت كل الوسائل عن إدراك ما يجري، وتربع الانترنت على عرش الإعلام وحيداً دونما منافس.

لعبت الانترنت أيضاً دوراً هائلاً في تجسير الهوة بين الأشخاص والثقافات وخلق نوع من الكون الافتراضي يمكن أن تجد فيه أغلب الأشخاص الذين تطمح إلى لقائهم وتتواصل معهم دون عناء.

كما لعبت الشبكة دوراً معاكساً للتلفزيون الذي فكك الحياة الاجتماعية، فأعادت عبر مواقع مثل الفيس بوك وتويتر اللحمة إلى هذه الحياة، فبإمكانك الآن أن تقابل أناساً لم ترهم منذ عشرات السنين وتتابع أخبارهم أولاً بأول وتشاركهم الآراء والأفكار واتخاذ القرار.

أهم ما فعلته الانترنت أنها فككت سيطرة النخبة على الحياة الثقافية والسياسية، فكثيراً ما كانت النخب فاسدة أو متواطئة الآن لم يعد بإمكانها أن تستمر في نفس اللعبة، وتحصد وحدها المزايا تاركة الفتات لعامة الناس.

أعادت الانترنت أيضاً الوهج إلى عباقرة كاد أن يطويهم النسيان، ومن هنا بدأ أبناء المبدعين من الجيل الذي رحل قبل اختراع الشبكة في وضع إنتاجهم عليها، فالذاكرة الإنسانية سريعة النسيان والجيل القادم لن يفعل ما فعل سابقوه من التنقيب في بطون الكتب والمكتبات التي ينظر إليها الجيل الحالي باعتبارها شيئاً حفرياً، بل على الأغلب ستتحول إلى أشبه بالمتاحف يقصدها الناس ليعرفوا كيف عانى الجيل السابق في تحصيل المعرفة.

الأهم من ذلك كله.. هل يدرك العالم العربي ذلك وهل يعرف أنه لا مكان في العالم لمن لا يتكيف مع هذه النقلة النوعية؟

الواقع للأسف غير مبشر، فالدعاية الفجة لاتزال هي المعتمدة في المواقع الرسمية، والمحسنون العرب الكبار لم يدركوا بعد أن تخصيص أموالهم لهذا النوع من النشاط له مردود إنساني وخيري وحضاري وتوعوي ربما أكثر من أي شيء آخر.

وحتى الجامعات والمكتبات العربية الكبيرة ـ ربما باستثناء مكتبة الإسكندرية ـ لم تدرك بعد أن مجرد عرض عناوين الكتب وملخص في سطرين لكل كتاب لم يعد أمراً ملائماً للعصر، وما يعوق ذلك كله أن المعلنين لم تصلهم بعد حقيقة أن الإعلان الالكتروني هو الأكثر انتشاراً والأسرع وصولاً للناس.

ما يغيظ أيضاً أن العالم العربي الرسمي مازال على حاله متوهماً أن بإمكانه حجب نور التقدم عن شعبه وراء حدود وسدود، غير مدرك أن الشعوب قد شبت عن الطوق وأن العوائق لم تعد مجدية.

على الانترنت قد تصادف كثيراً من الحقيقة كثيراً من الادعاء، وطبيعي في هايد بارك كهذا أن تجد مدعي إبداع ومدعي بطولة وأيضاً مدعي إلوهية كما حدث في الأسابيع الماضية وكان حديث الناس، لكن الشبكة ستتعلم مع الوقت كيف تكون كالبحر تطرد زبدها وتحفظ في عمقها اللآلئ والأصداف.

magdishendi@hotmail.com