بررت إدارة الرئيس بوش غزوها للعراق بأنه يمتلك أسلحة الدمار الشامل، ولما فشلت في إثبات التهمة تحولت إلى القول إن هدفها هو نشر الديمقراطية في العراق وفي دول المنطقة، لأن الديمقراطية هي جوهر (نظام الشرق الأوسط الجديد) والسبيل الأكيد والسريع لتخليص شعوبه من واقعها المتخلف وأنظمتها الاستبدادية، وإنجاح عملية التنمية، وإحلال السلام في المنطقة.

وفرض معايير الدولة الحديثة في بلدانها وعلى رأسها معايير المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص والحرية والديمقراطية وتداول السلطة، وجعل الحياة في هذه المنطقة (سمناً على عسل).

وخدعت هذه السياسة الأميركية بشعاراتها بعضاً من الرأي العام ودوله، وبعضاً من النخب الثقافية والسياسية العربية، وشهدنا حينها نشوء تيار الليبراليين العرب الجدد واتساعه وزيادة مناصريه.

وقد دعم هذا التيار ما كان يجري في العراق على أمل نشر الديمقراطية وتعزيزها وتثبيت جذورها. وأعطت هذه المبررات للسياسيين الذين دخلوا العراق على الدبابات الأميركية حججاً يتكئون عليها لتبرير تعاونهم مع الغزاة، وقبول استباحة المحتل وطنهم، بل وتثمين هذه الاستباحة.

وشاركوا في مجلس الحكم الذي عينه (بريمر)، واستساغوا أن يعطي (بريمر) لنفسه حق التشريع في العراق (نيابة عن الشعب العراقي) مادام هذا يناسب مصالحهم، مثل حل الجيش والقوات المسلحة الأخرى، وإصدار ما يشبه (الدستور المؤقت) وسن القوانين، وترسيخ المحاصصة الطائفية، وتفتيت وحدة العراق ونهب ثرواته، وتفجير الخلافات بين مكوناته الاجتماعية (الإثنية والطائفية).

وزعم السياسيون العراقيون أن قبولهم بهذا كله هو من أجل الديمقراطية العراقية الوليدة التي ستكون نبراساً يهدي العراق ويضيء الطريق لدول الجوار ودول المنطقة (وكله في حبك يهون) وارتاحوا كما ارتاح الليبراليون العرب الجدد لهذه المقولة، وزعموا أن ضمائرهم مرتاحة.

جرت الانتخابات الأولى في العراق عام (2005) واعتقد الجميع أن الديمقراطية رسخت أقدامها هناك أو هكذا قالوا، ثم جرت انتخابات العام الجاري، وإذا بها تكشف العلل والخطل والخلل في ما يجري.

وتؤكد أن شعارات الديمقراطية العراقية هي شعارات مشكوك في جدية من يطرحها، فبدلاً من أن يعمل السياسيون العراقيون على ترسيخ هذه الديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع، ويقبلوا النتائج مهما كانت، ويتحملوا مسؤولياتهم تجاه مستقبل بلدهم.

ويجاهدوا لإقامة شراكة وطنية، ويتذكروا الشعارات التي ثقبوا بها آذاننا حول الديمقراطية، ويعيدوا لحمة النسيج الاجتماعي العراقي التي كادت تتمزق بسبب سياساتهم، ويحفظوا ثروة بلادهم التي أهدرت أو سرقت، ويتوجهوا لإعادة البنية التحتية التي تحتاج لعشرات السنين حتى تعود، ويحققوا لشعبهم الأمن والأمان والحد الأدنى من العيش الكريم.

ويتعاونوا جميعاً لمواجهة هذا الذي يجري في العراق والذي كانوا هم والأميركيون مسببين له، ويشكلوا حكومة وحدة وطنية أو على الأقل يحترموا الدستور الذي وضعوه، بدلاً من هذا، بدأ التراشق بينهم، وحمي الوطيس.

وتنامى الصراع على السلطة، ونسوا الديمقراطية والمساواة وتداول السلطة وغيرها من الشعارات، وأخذوا يتراكضون وراء اقتناص الامتيازات ويتزاحمون عليها، وأخذ كل منهم (يذبُّ عن سفيهه) كما خاطب زياد بن أبيه ساسة العراق ومتنفذيه قبل ثلاثة عشر قرناً.

تيار سياسي عراقي يصرح بأن العملية الانتخابية سارت على خير ما يرام، وأن الاختراقات ـ إن حصلت ـ لا تؤثر في نتائج العملية الانتخابية، وكانت قائمته حينها متقدمة على غيرها، وما إن تراجعت القائمة إلى الدرجة الثانية، حتى انقلب على نفسه، وتناسى تصريحاته و(خطبه ونصائحه) وشكك بالعملية الانتخابية وبالمفوضية المستقلة وأقام الدعاوى.

وطالب بالفرز اليدوي، بدلاً من (الإلكتروني) ولتسقط (المعلوماتية والبرمجة والحواسيب والتحديث) وأُطلقتْ يد اللجنة المسماة (العدالة والمساءلة) لإقصاء أكثر من 500 شخصية عراقية ومنعها من دخول الانتخابات، بأسلوب غير ديمقراطي لا مثيل له في أي ديمقراطية في العالم، (ولعل لجنة العدالة والمساءلة نفسها هي الأحق بالإقصاء.

وقد تذكرت بعد سبع سنوات من سقوط النظام السابق بوجود أنصار متخفين له)، ثم بعد ظهور النتائج أضافت ستة شخصيات أخرى انتخبها الشعب، لأن من شأن إقصائها أن تتراجع القائمة الفائزة الأولى كي يتصدر غيرها. والمضحك (وربما المبكي) أكثر من هذا كله أنه تم اكتشاف أن والدة أحد المرشحين لتشكيل الحكومة لبنانية الجنسية ولم تحصل على الجنسية العراقية.

ولذلك لا يحق له أن يشكلها (وكأن اللبنانيين من شعوب واق الواق أو من سلالة أبناء صهيون)، وغير ذلك من الاختراعات والممارسات والطرائف والحجج التي تهدف لرفض تداول السلطة، والانفراد بها، والحفاظ على الامتيازات (بحكم شمولي سمّوه ديمقراطياً!..). ولتذهب الديمقراطية وشعاراتها إلى الجحيم.

لسنا بمعرض الدفاع عن أحد، فمعظمهم عاد إلى العراق على ظهر الدبابات الأميركية، وتولوا مناصب سياسية برغبة الاحتلال وفي ظل قواته، ولكن المرء يأسف لمواقف سياسيين برّروا احتضانهم للمحتل باسم الديمقراطية، وعند أول تجربة ألقوا بها في سلة المهملات، وكانوا قد قالوا في الحكم السابق وشموليته وديكتاتوريته ما قاله (مالك في الخمر).

وعندما تغيرت الظروف بدؤوا يمارسون ما كان يمارسه وأسوأ، مع فارق تجاهل القضايا الوطنية والاجتماعية والتنمية والإمعان في الاستمرار في تدمير العراق وتفتيته والتضحية بأمن مواطنيه وعيشهم الكريم، واعتبار السلطة والتسابق إليها والاحتفاظ بها هدف الأهداف وغاية الغايات.

كاتب سوري