في الوقت الذي وقعت فيه التفجيرات الإرهابية في مترو موسكو في 29 مارس المنصرم، ورغم القلق والتوتر الشديدين في العاصمة موسكو، ورغم اتهامات البعض للحكومة الروسية بعدم اهتمامها بالأمن الداخلي، ورغم وقوع تفجيرات وهجمات إرهابية في جمهورية داغستان الجنوبية في روسيا في الأيام التالية لتفجيرات المترو وتوجه الرئيس الروسي ميدفيديف مباشرة إلى داغستان لمتابعة ألأحداث.
في هذا المناخ المتوتر والمضطرب كان رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يعد نفسه لرحلة طويلة عبر المحيط إلى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية، وبديهياً أن بوتين الذي ينتظر منه الجميع في روسيا الكثير لم يذهب إلى القارة الأميركية الجنوبية في نزهة أو للاستجمام والدفء بعيدا عن برد روسيا ومشاكلها.
بل ذهب في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لدولة فنزويلا ليلتقي رئيسها المشاكس دائماً لواشنطن هوجو تشافيز، وقد أثارت الزيارة ردود فعل وتساؤلات عدة في الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية.
وكان التساؤل الرئيسي هو «كيف يترك بوتين الشأن الروسي الداخلي المشتعل نتيجة الهجمات الإرهابية، وهو رئيس الوزراء المسؤول، ويذهب في زيارة رسمية لدولة أخرى بعيدة.
وهذا من مهام رئيس الدولة وليس رئيس الحكومة؟»، توقيت الزيارة أعطى مؤشراً للأميركان أن حديقتهم الخلفية أصبحت في خطر، وأن الدب الروسي يعبث فيها بقوة، كما كانوا يقولون عام 2008 أثناء الجولة التي قام بها الرئيس ديمتري ميدفيديف في أميركا اللاتينية زار خلالها فنزويلا والبرازيل وبيرو وكوبا.
وكانت زيارة تاريخية ومهمة للغاية، وأثارت ردود فعل قوية في الولايات المتحدة، حيث صرحت دوائر سياسية وإعلامية أميركية كثيرة بأن روسيا تعبث بأمن الولايات المتحدة الأميركية الإقليمي بتدخلها القوي في القارة الجنوبية.
كما أن الجولة صاحبها شيء مهم يثير الشكوك كثيراً حول نوايا وتوجهات روسيا في هذه المنطقة، حيث وصلت إلى سواحل فنزويلا قبل وصول ميدفيديف إليها بساعات قليلة أربع سفن حربية من أكبر قطع الأسطول البحري الروسي يتقدمها الطراد العملاق «بطرس الأكبر» الذي يشبه المدينة العائمة.
وشاركت هذه السفن الحربية الروسية في مناورات مشتركة مع الأسطول الحربي الفنزويللي، وتعد هذه أول مرة يشهد فيها بحر الكاريبي الذي يعد بحيرة أميركية مناورات حربية تشارك فيها سفن روسية.
وهو ما أثار قلقا شديدا لدى البنتاجون الأميركي، خاصة وأن فنزويلا كانت قد استقبلت قبل هذه الزيارة بشهرين طائرتين روسيتين استراتيجيتين من طراز ( تو ؟ 160) العملاقة والمعدة لقذف القنابل النووية، والتي يسميها البنتاجون بـ «الدب الروسي».
انتهز رئيس بوليفيا المعارض الأكبر لواشنطن إيفو موراليس، وصول بوتين لفنزويلا فانطلق على الفور للقائه هناك، مما أعطى اللقاء الثلاثي «بوتين، شافيز، موراليس» شكلاً سياسياً طغى على الطابع الاقتصادي والتجاري الذي هو جوهر الزيارة من الأساس.
فقد أعلن بوتين أن فنزويلا ستحصل من روسيا على سلاح بما قيمته خمسة مليارات من الدولارات، ويعني هذا الرقم أن الجيش الفنزويلي سيعتمد اعتماداً كاملاً على السلاح الروسي، خاصة وأن جملة مشتريات كاراكاس من السلاح الروسي منذ عام 2005 حتى الآن تجاوزت الأربعة مليارات من الدولارات.
كما وافق بوتين في الزيارة على منح فنزويلا قرضا قيمته 2,2 مليار دولار، وصرح بوتين بأن روسيا ستدفع مليار دولار أخرى قيمة استثمارات في قطاع النفط الفنزويلي، وقد تم بالفعل دفع 600 مليون دولار منها أثناء الزيارة.
ولم يخرج الرئيس البوليفي موراليس من اللقاء الثلاثي فارغ اليدين، بل حصل على قرض من روسيا قيمته مائة مليون دولار، وصرح بأن وفدا حكوميا بوليفيا رفيع المستوى سيزور موسكو نهاية أبريل لتوقيع عدد من اتفاقيات التعاون، وأكد موراليس ضرورة عودة روسيا إلى مواقعها في أميركا اللاتينية من أجل تحقيق توازن جيوبوليتيكي في العالم.
وتصادف أثناء زيارة بوتين لفنزويلا تواجد وزير الخارجية كولومبيا خايمه بيرموديس في موسكو في زيارة رسمية، وصرح هناك للصحافيين قائلاً «هدف زيارتي واضح، حيث ان كولومبيا تود التقرب من روسيا وترحب بالاستثمارات الروسية المنتظرة، وتعد بإعطاء كافة الضمانات الممكنة للمستثمرين من روسيا».
لا شك أن ما تفعله روسيا في أميركا اللاتينية أمر مهم للغاية يستحق زيارة بوتين لها في هذا التوقيت وفي هذه الظروف، ولا شك أن واشنطن من حقها أن تقلق للغاية، وهو ما عبرت عنه صحف أميركية قائلة بأن موسكو تضرب واشنطن تحت الحزام.
خبيرة الإعلام الروسية