ذهبتُ قبل أيام إلى مركز الرابطة الثقافية الفرنسية في دبي، وكان أول ما استقبلني من مظاهر الثقافة الفرنسية في مواقف السيارات هي سيارة «بيجو» الفرنسية، ثم أتى خلفها المخبز الفرنسي الذي يقدم الوجبات الفرنسية الخفيفة إلى زوار المركز.

دخلت المركز فلم أجد شيئاً مكتوباً باللغة الإنجليزية أو العربية، فكل الملصقات واللوحات كانت مكتوبة بالفرنسية، بل إن النادل في المخبز كان مغربياً يتحدث الفرنسية والعربية فقط. كان الجو كلّه مفعماً بالروح الفرانكفونية، حتى الموظفين العرب لا يسمح لهم ؟ فيما يبدو ؟ بالتحدث بغير اللغة الفرنسية.

ثم قرأت بعد تلك الزيارة بيومين مقالة نشرها الزميل والصديق الدكتور سليمان الهتلان بعنوان «بين برج خليفة وتاور المدينة» تحدث فيها بألم عن التحديات التي تواجه اللغة العربية، التي تعاني أزمة انحسار، ليس بسبب تعاظم اللغة الإنجليزية فقط، ولكن بسبب استغناء أبنائها عنها لأنها لم تعد في عُرف كثير منهم لغة العصر.

ذكر العزيز الهتلان بأننا تمكنّا بعد جهد كبير من تأصيل كلمة «برج» في القاموس العالمي عن طريق استخدامه في برج العرب، وبرج خليفة وغيرهما، وهو نجاح مهم بالتأكيد، إلا أن بعض المستثمرين آثر العودة إلى الوراء واستخدم كلمة «تاور» على الرغم من استيعاب الأجانب، أخيراً، لكلمة برج.

حقاً، إن لغتنا العربية باتت توصف بأنها لغة رجعية أو كلاسيكية من قبل الجيل الجديد وبعض المتحمسين من الجيل القديم، وهو واقع منافٍ للحقيقة، ولست هنا في صدد الدفاع عن اللغة العربية التي صنّفتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كرابع أكثر اللغات استخداماً في العالم.

حيث تصدرت اللغة الصينية «المندرين» القائمة، وأتت بعدها الإسبانية ثم الإنجليزية وأخيرا العربية، إلا أن هيمنة لغة ما لا تتأتى من خلال عدد مستخدميها فقط، فهذه هي الصينية تستخدم من قبل أكثر من مليار شخص إلا أنها لازالت لغة محلية، وإنتاجها الأدبي لم يقارع ـ حتى الآن ـ إنتاج اللغات الرومانطيقية الأخرى، كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية.

يتخبط المناضلون القلائل في سبيل الدفاع عن ثقافتهم العربية المسلوبة، بين جمعيات حماية اللغة التي يسيء «بعضها» إلى اللغة أكثر مما ينفعها، وبين التزامهم بالتحدث بالعربية الفصحى أمام العامة، ليكونوا كمن يغرّد خارج السرب. فجمعيات حماية اللغة العربية تتكون في معظمها من أساتذة أفاضل ولا شك.

ولكنهم بعيدون كل البعد عن عصرنة لغتهم التي أرادوها أن تبقى «جاحظية» الأسلوب، «غزالية» المعنى، لا يفهمها إلا من قرأ (البيان والتبيين) وتعمّق في (إحياء علوم الدين)، لتتشكل بذلك هوة سحيقة بين اللغة وبين مستخدميها.

إن اللغة العربية في حاجة إلى مبادرات حيوية وعصرية، تنتشلها من براثن السجع والطباق، وتؤقلمها مع متطلبات العصر والتكنولوجيا، ولا يعني ذلك أن نحوّر أسماء المخترعات كلفظنا (تلفاز) و(حاسوب) لنقول بأننا طوّعنا اللغة لتتناسب مع القرن الحادي والعشرين، فمخترع الشيء أحق بتسميته ولا يجوز لوْي عنق الحقائق وفرض تسميات جديدة عليه، فالتلفزيون والكمبيوتر هما أصحّ وأولى مما يتنطع به بعض اللغويين

. أعرف أن هذه الجملة ستثير حنق الكثيرين وستفتح باب سيصعب علي إغلاقه، ولكن يجب أن نواجه الواقع بشجاعة ونتخلى عن مشاعرنا في مسار التنوير.

إن اللغة العربية بحاجة إلى مبادرات حضارية مثلما فعلت بريطانيا عندما أطلقت «المجلس الثقافي البريطاني» قبل أكثر من خمسة وسبعين عاماً، لا لشيء إلا لنشر اللغة الإنجليزية التي لم تكن حينها اللغة الرسمية للعالم، حيث استطاعت بريطانيا من خلال هذه المؤسسة التي تبدو مبانيها صغيرة من الخارج ومتواضعة من الداخل، أن تصل إلى أكثر من 86 مليون شخص حول العالم في أكثر من 117 دولة، بها ما يربو على 233 فرعاً

يخطئ من يعتقد بأن هذه المبادرة هي مساهمة بريئة من الإنجليز لتعليم العالم كلّه لغتهم، بل هي سلاح استراتيجي بلغ مداه أبعد من صواريخهم البالستية وقنابلهم النووية. واليوم، يدّرس المجلس الثقافي البريطاني 350 ألف طالب سنوياً عبر مراكزه الكثيرة، ويقدم خدماته عن طريق الإنترنت لأكثر من عشرة ملايين شخص، ويكفي أن نَعْلَم بأن هناك أكثر من 5, 8 ملايين إنسان حول العالم يدخلون أفرع المجلس كل عام.

إنه لحري بالدول العربية أن تسحب مساهماتها المالية من الجامعة العربية التي أضاعت أوقات الشعوب العربية واستنزفت أموالهم وعقولهم وضمائرهم التي أنهكها اليأس وحطمها التخاذل، وتضع هذه الأموال في مبادرة حضارية عربية، ولتسمّى (المجلس الثقافي العربي)، ثم تبدأ بنشر أفرع له في الدول التي تمثل بعداً استراتيجياً في الشرق والغرب.

، وتعيد مع الوقت، الزخم الحقيقي للثقافة العربية، بشرط أن يتم تصميم مناهج عصرية لتدرس في هذه الأفرع، ثم تقدم تلك المناهج والاختبارات على موقع إلكتروني من ذهب إلى العالم أجمع.

أعلم شخصياً بوجود مبادرات فردية عربية لتفعيل اختبار عالمي في اللغة العربية يشبه اختبار «تُوفِلْ» الخاص باللغة الإنجليزية، إلا أننا بذلك نضع العربة أمام الحصان.

علينا أولاً أن نحترم لغتنا العربية في عقر دارها كما يحترم الفرنسيون لغتهم في دار الغربة، وعلينا أن نضع التنظير جانباً، ونتجاوز مرحلة التراشق بالتهم، ونتخذ قراراً جريئاً، تشكرنا عليه الأجيال العربية القادمة، التي إن لم نوقد لها شمعة من اليوم، فإنها ستبقى تلعن الظلام غداً، كما كان يفعل أجدادها بالأمس.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com