يأتي التاسع من أبريل، الذكرى السابعة للاحتلال الأميركي للعراق، في ظروف خاصة أفرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة، وهي ظروف استثنائية لأنها قد تخرج الواقع العراقي من النسق الممل الذي اعتاده الناس على مدى السنوات الأربع المنصرمة والذي اتسم بالجمود والجدب.
فقد أفرزت هذه الانتخابات واقعاً تنامت فيه القوى الداعية للتغيير إلى حد كبير أخاف القوى المحافظة التي احتلت المراكز القيادية في الدولة على مدى السنوات السبع المنصرمة وأرعبها ودفعها لاتخاذ مختلف الوسائل لإعاقة وصول الفائزين إلى سدة الحكم.
المناسبة تستوجب التأمل في نتائج سبع سنوات من العملية السياسية التي تجري تحت إشراف أميركي من جهة، وإشراف إيراني من جهة أخرى.
الطرفان، الأميركي والإيراني، يخوضان صراعاً مكشوفاً ومباشراً خارج العراق على محاور متعددة، إلا أن صراعهما داخل العراق لا يبدو مباشراً فهو صراع تغلفه أردية يرتديها ساسة عراقيون، من فصائل مختلفة، يسحبون العملية السياسية إلى جهتين مختلفتين وسط حضور ضعيف للعراق نفسه.
المناسبة تستوجب تقييم هذه المرحلة وتسليط الضوء على النتائج التي تمخضت عن القرار الأميركي بغزو العراق، وتقييم دور اللاعبين الأساسيين فيها، وتقييم المدى الذي وصلته الولايات المتحدة في تحقيق أجندة الغزو.
الغزو الأميركي لأفغانستان ثم العراق أعاد إلى الأذهان الآليات التي استخدمتها الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال منذ البدايات الأولى لعمليات الاستكشاف التي ابتدأها البرتغاليون في القرن الرابع عشر والتي نقلت نفوذ القارة الأوروبية إلى بقاع العالم الأخرى واستمرت حتى نهاية العقدين الأول والثاني من القرن العشرين.
جيوش وأساطيل تجتاح أراضي الغير وتصنع نظاماً وآليات عمل لسلب ثرواتها وتغيير معالمها الثقافية. فما الذي ترتب على احتلال الولايات المتحدة للعراق؟
ثلاثة محاور لا بد من الإحاطة بها في هذه المناسبة، وفي هذه السطور المحدودة العدد، فالعراق ليس بالبلد الصغير الذي يسهل احتلاله، كما هو الحال مع جمهوريات الموز في أميركا الوسطى، دون أن يكون لذلك تداعيات خطيرة محلية وإقليمية وعالمية في جوانب مختلفة وذلك لأسباب عديدة، أبرزها أنه بلد غني يمتلك ثروات طبيعية وبشرية متميزة في منطقة الشرق الأوسط.
وهو بلد له تأريخ حافل موغل في القدم وكان له، على الدوام، مواقف لا يمكن المرور عليها مرور الكرام في عموم القضايا السياسية التي تتحكم في معادلات التوازن في منطقة الشرق الأوسط.
المحور الأول يتركز حول التأثير الذي تركه الاحتلال على الولايات المتحدة نفسها داخلياً وخارجياً، والثاني حول التأثير الذي أحدثه الاحتلال في توازنات منطقة الشرق الأوسط، أما الثالث فهو حول ما تركه هذا الاحتلال من تداعيات على العراق.
لم يمض وقت طويل حتى تداعت الحجج التي ساقتها الولايات المتحدة كمبررات للحملة العسكرية لغزو العراق، واقتنع المجتمع الدولي بأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.
وهو المبرر الذي سوقته الولايات المتحدة للغزو، لم يكن غير كذبة فبركتها الإدارة الأميركية لخداع الرأي العام الداخلي والعالمي بغية إضفاء قدر من الشرعية على عمل غير شرعي تنوي المباشرة به.
وغني عن البيان ما ترتب، جراء ذلك، من أضرار أحاقت بسمعة الولايات المتحدة وهيبتها العالمية خاصة وأن إدارة الرئيس بوش، التي شنت الحرب، قد ادعت بأن للولايات المتحدة رسالة حضارية للعالم أجمع تريد إيصالها إلى شعوب منطقة الشرق الأوسط عبر مشروعها المثير للجدل «الشرق الأوسط الجديد».
إلا أن ذلك لم يكن، بكل تأكيد، الضرر الوحيد الذي أصاب الولايات المتحدة، إذ أن احتلالها للعراق بعد احتلالها لأفغانستان قد أصابها بالوهن العسكري وأضعف من قدراتها المالية وقلص من قدراتها على التدخل في مناطق أخرى من العالم.
فالخسائر المادية الكبيرة والخسائر البشرية التي بلغت آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين الذين ستبقى حقوقهم في الرعاية الاجتماعية لعشرات السنين القادمة عبئاً على الخزينة الأميركية، وتبقى شاهداً على مدى ما ألحقته حماقات إدارة الرئيس بوش من ضرر بالمستوى المعيشي لدافعي الضرائب.
وقد انعكس هذا الوهن العسكري على موقفها السياسي من قضايا عديدة أصبحت تجد نفسها فيها ليست مرغمة على الأخذ بالخيارات الدبلوماسية فحسب، بل مرغمة على تخفيض سقف هذه الخيارات كذلك. فالتهديد بالأخذ بخيار استخدام القوة قد تراجع فعله كثيراً .
ولم يعد من يهدد يأخذ الوعيد الأميركي على محمل الجد بسبب ضعف الولايات المتحدة من جانب، وفقدان شعبية هذا الخيار داخل الولايات المتحدة من جانب ثان، وصعوبة تحشيد حلفاء يقفون معها من جانب ثالث.
أما على مستوى المحور الثاني فخروج العراق من معادلات القوة قد خلق انهياراً في التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط استغل من قبل إيران إلى أبعد الحدود، فقد أمعنت طهران في تدعيم إستراتيجية التفوق العسكري في المنطقة بشكل يثير القلق لدى معظم دول الشرق الأوسط وليس الدول القريبة منها فحسب.
مما دفع أوضاع هذه المنطقة إلى المزيد من التعقيد في الوقت الذي أصبحت فيه القبضة الأميركية أضعف من ذي قبل، وأصبح الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة أكثر قلقاً على مستقبل الاستقرار فيها، وأكثر شكوكاً بحقيقة النوايا الأميركية.
أما على مستوى المحور الثالث، وهو الأهم، فالحقيقة أن حصاد سبع سنوات في العراق فهو محبط للغاية، فالعراق لم يخرج بعد إلى الحياة، فهو لا يزال منقوص السيادة يرتع في مدنه ما يقرب من مئة ألف جندي أميركي، وترسم بعض دول الجوار محاور سياساته، وينخر بدنه فساد مالي وإداري غير مسبوق، وتزداد الهجرة منه إلى الخارج.
وتعبث في أمنه عصابات القتل، ولا يزال مهدداً بالتمزق وبالانجراف نحو مستويات أعلى وأوسع من العنف، ولا يزال مرتهناً تحت سلطة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يزال مكبلاً بالديون، ويشكو من عزلة خانقة.
الفراغ الذي حصل في العراق إثر سقوط النظام السابق لم يستطع النظام الرسمي العربي أن يجد له موطأ قدم فيه وذلك لفشل هذا النظام، وهو نظام الأخذ بالحدود الدنيا في التوصيات أو القرارات التي ترضي جميع الأطراف العربية، في مقاربة قضايا كبيرة من هذا القبيل من جهة، ورغبة الولايات المتحدة في منع أي طرف عربي من التدخل في الشأن العراقي، من جهة أخرى.
كاتب عراقي
