خلال الأيام الماضية شهدت موسكو وداغستان أحداثا مروعة راح ضحيتها العشرات من المدنيين الأبرياء، واللافت أن الجهات التي أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ هذه الأعمال الإرهابية، كانت مترددة في ذلك، ما أثار تساؤلات حول آفاق عودة الإرهاب إلى موسكو.

عقب تفجيرات مترو الأنفاق في موسكو توجهت أصابع الاتهام إلى المتمردين الشيشان. واستند منطق الاتهام إلى أن مصادر الإرهاب في داخل روسيا، تقتصر على جماعات القوميين المتشددين، وهى جماعات محدودة ولا تشكل خطرا. كما أن أعمالها العدوانية موجهة ضد الأجانب.

أما المصدر الثاني وهو الأخطر على الإطلاق فيتمثل في مجموعات المسلحين المتمردين في شمال القوقاز.

ويعتبر شمال القوقاز من أخطر مصادر الإرهاب وإشاعة الاضطرابات في البلاد، ليس فقط بسبب التنوع العرقي في هذا الأقليم ولأنه يعتبر من مواقع الثروة الروسية، وإنما أيضا بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيه، إضافة لتأثير العقلية القبلية، وسيطرة مجموعات عرقية محددة ترفض شراكة بقية المجموعات، بل وتمارس بحقها اضطهادا سياسيا واقتصاديا.

والحديث عن وجود قوى خارجية تمول نشاط بعض المجموعات المتطرفة بهدف إثارة البلبلة والاضطرابات في روسيا، ينسجم مع الواقع. ولعل حرص السلطات الأمنية الجورجية على الإبقاء على صلاتها بقيادات جماعات الانفصاليين يكشف عن هذا الجانب. لكن جوهر المشكلة لا يكمن في الجهات الخارجية.

والتي ستجد دائما السبيل في صراعها مع روسيا لتوجيه ضربات لها. المشكلة تكمن في أن شمال القوقاز يعانى من أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة تتطلب اهتماما حقيقيا وجادا من جانب موسكو.

وقد اعترف الرئيس ميدفيديف مؤخراً بأن الوضع في شمال القوقاز وداغستان مازال معقدا، ويعانى من اضطرابات عميقة، وكشف عن أن الجهود التي تبذل لإصلاح الأوضاع هناك غير كافية.

ولابد من العمل الجاد لإحلال الاستقرار، في كافة المجالات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك العمل على توفير فرص عمل جديدة وحلول جذرية للمشاكل الاجتماعية.

منطقة شمال القوقاز تشهد منذ عدة شهور حالة من الاضطراب الأمني وعدم الاستقرار، بدأت بتصعيد الأعمال المسلحة في أنجوشيا والشيشان، لتشمل عمليات تفجير المباني الحكومية ودوريات الشرطة، إضافة لحركة اغتيالات طالت رئيس جمهورية أنجوشيا وبعض وزراء أقاليم شمال القوقاز.

ويربطها البعض بنزعات عرقية، فيما تصر الجهات الأمنية على ربطها بالمتمردين الانفصاليين.

إلا انه لم يعد ممكنا ربط حالة الاضطراب الراهنة بخلفيات دينية، أو بالقوى الخارجية فقط، كما كان يجري في التسعينات من القرن الماضى وخلال الحرب الشيشانية الثانية، لأسباب عديدة:

1- تدهور الأوضاع الاقتصادية في شمال القوقاز وتقلص النشاط الاقتصادي، الذي أقتصر على أعمال البناء والتشييد لصالح النخبة السياسية هناك، مما أدى لاضطراب الأوضاع المعيشية للسكان، بدءا من ارتفاع معدلات البطالة لأكثر من 70 بالمئة في أوساط الشباب.

مرورا بتقلص القاعدة الإنتاجية والاعتماد على تمويل الخزينة الحكومية، وانتهاء بتراجع حجم الإنتاج الزراعي، والذي تحاول السلطات المحلية النهوض به بهدف الوصول لمستويات انتاج المحاصيل التي كانت تتحقق في العهد السوفييتي.

2- تأثير تنوع التركيبة العرقية في شمال القوقاز، حيث تتعايش أكثر من 180 قومية، عانت على مدار عدة قرون من مواجهات وصراعات دامية على السلطة في هذا الإقليم، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وتنامي موجات استقلال دول الاتحاد السوفييتي السابق.

برزت نزعات انفصالية لدى أبناء هذه القوميات، دون مراعاة القدرة الفعلية على الاستقلال عن روسيا، وطبيعة الروابط بين هذه القوميات من جهة والقومية السلافية وروسيا من جهة أخرى.

3- فساد القيادات الحكومية في هذه الأقاليم والتي أثارت العديد من الحركات الاحتجاجية ضدها، والسياسة الديكتاتورية القمعية التي تمارسها هذه القيادات ضد سكان هذا الإقليم. ما أوجد حالات من الثأر بين السلطة وبعض الأسر، تنامت بسبب العقليات العرقية والقبلية المسيطرة على سكان هذا الإقليم.

لاشك أن إغلاق ملف شمال القوقاز يتطلب إيجاد حل جذري لأزمات شعوب هذا الإقليم الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير فرص العمل للشباب حتى يتم إغلاق مصدر التغذية البشرية لمختلف الفصائل المسلحة، إضافة للتجاوب مع مطامح سكان شمال القوقاز في الأمن والاستقرار وحرية التعبير وعدم إهدار حقوقهم الإنسانية.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru