الإنسان هو ما يفعله لا ما يقوله. والكلام يذهب مع الريح عادة، أما الأفعال فتبقى إلى آخر الزمن. ولو تأملنا قليلاً في سيرورة هذه الحياة، سنجد أن الإنسان يُخلّد بأعماله وليس بأقواله.

إننا نكثر من التحدث عن أنفسنا، عن أفعالنا، وأقوالنا، وما نفعله وما سنفعله، وما هو قيد التفكير والتخطيط من أحلامنا وطموحاتنا.. إلخ، ولا ندع أفعالنا وأعمالنا تتحدث عنا، بل نحن من يتحدث عنها، وكأن الدنيا كلها متوقفة على ما سنقوله عن أنفسنا، مع أن الدنيا قد تتوقف فعلياً على ما نفعله.. أو ما سنفعله.

يتفاوت الناس في هذا الجانب، فبعضهم يُعَظِّم ما يفعله ـ وإن كان قليلًا ـ بالإكثار من الكلام عنه، بل ربما يتعمد اختيار مفردات معينة ذات وقع رنان ويكثر استعمالها في حديثه وهو يتكلم عن عمله هذا بحيث يظهر للسامع أنه أمر عظيم.

وهو مجرد شكل من أشكال الحيلة الصوتية التي قد تنطلي على من تغرهم الكلمات الرنانة والعبارات المنمقة، أما الذين لا يسهل انخداعهم بهذه الطريقة فيغوصون في باطن الكلام نفسه، ويقفون على مضمونه ليعلموا عم يتحدث؟

وإلى أي حد يتطابق مع الواقع الفعلي لما يقدمه المتكلم؟ لأنه يمكن لأي إنسان ذي إنجازات لا تُذكر ـ بحيث لا تستحق أن يُقال عنها إنها إنجازات أساساً- أن يقوم بسرد أعماله على نحو يعطيها أكبر من حجمها كثيراً، لكن الكلام لا يكفي، بل يجب أن يُرى ذلك العمل ـ كما يوصف من قِبَل صاحبه ـ على أرض الواقع.

البعض الآخر من الناس يقومون بالعكس تماماً؛ يقللون من الكلام على ما يقدمونه من أعمال يمكن أن توصف بأنها عظيمة بكل المقاييس، لكنها في نظرهم لا تبدو كذلك، لأنهم يطمحون دائماً للأفضل، وينتظرون من أنفسهم ما هو أكثر عظمة مما أنجزوه بالفعل.

لذلك لا يكادون يتحدثون عن أنفسهم أو عن أعمالهم، وإن فعلوا لا يكون حديثهم إلا سريعاً وعاماً ودون تفاصيل كثيرة قد يحتاجها وصف العمل الذي قدموه، لكنهم عادة يرون هذه التفاصيل الصغيرة غير ضرورية ويمكن أن يُستغنى عنها، والمهم عندهم هو العمل نفسه، أو ما يمكن أن يُطوَّر إليه.

هذا النموذج البشري موجود أيضاً، ويحتاج إلى أن ندفعه ليتحدث أكثر ويعطي تفاصيل أكثر عما ينجز من أعمال، فلربما يفتح له هذا الحديث باباً للتطوير والتقدم خطوات للأمام.

ولو فتشنا في لغة هؤلاء وهؤلاء سنجد أن قواميسهم اللغوية تنقسم إلى قسمين مختلفين، أحدهما لا يتضمن سوى كلمة واحدة، وهي (أنا)، وكأن بقية الكلمات سقطت من تلك القواميس، فلا يكاد الأشخاص أصحاب هذه القواميس يدركون أي شيء آخر في الكون إلا من خلال أنفسهم، بل يكادون يرون فضلاً لهم على كل ما حولهم، فهم سبب في حدوث ما يحدث إن كان خيراً، أو في منع حدوث ما لم يحدث إن كان شراً.

وهم أصحاب فضل على من حولهم قبل أنفسهم، بغض النظر عن حجم المحيطين بهم، المهم أنهم هم المتفضلون عليهم وليس العكس.

وهذه الشخصية التي تكثر التحدث بخطاب الأنا هي غالباً شخصية منفرة، لأنها تجعل من نفسها محور كل حديث ولقاء وتجمع، وكأن الناس لا يجتمعون إلا ليسمعوا منها، حتى يكاد البعض أحياناً يعتذر عن حضور مناسبة ما إذا علم أن فلاناً، صاحب قاموس (أنا) اللغوي، سيكون أيضاً موجوداً فيها، وقد يفرّ آخرون من المجالس إذا وجدوا أحداً من هذا النوع فيها.

أو إن دخل مجلساً وهم فيه، فنجد كثيرين ممن لا يطيقون احتمال مثل هذه الشخصيات المستفزة ينسحبون واحداً تلو الآخر، ولا يبقى إلا الذين منحهم الله طاقة أكبر لاحتمال كلام يخرج من أشخاص لا يعرفون في هذه الدنيا إلا أنفسهم.

في المقابل، يوجد أشخاص تكاد تسقط من قواميسهم هذه المفردة، وكأنهم نسوا أنفسهم في خضم هذه الحياة، أو أنهم لا يستطيعون أن يحسنوا تقييم أنفسهم فيعطونها دائماً أقل مما تستحق.

هذا النموذج البشري موجود في مقابل النموذج السابق، وهما يبدوان كضدين يحتاج كل منهما أن يمتزج قليلًا بالآخر، حتى يتخفف من تطرفه إلى حد ما، فليس المطلوب هو أن ننسى أنفسنا تماماً.

أو أن نهضمها حقها في أن تبرز نفسها وعملها للآخرين كي نكون محبوبين من قِبَل الناس غير منفرين بكثرة حديثنا عن أنفسنا وتعظيمنا لأفعالنا وأعمالنا، ولكن المطلوب هو ألا ننساق إلى موجة القول الكثير والفعل القليل، وأن نتكلم أقل مما نفعل، وأن نترك أعمالنا تتحدث عنا، فهي خير من يقدمنا للآخرين بصدق ودقة.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com