في خطابه الافتتاحي للقمّة العربيّة في سرت، دعا الأمين العام للجامعة العربيّة عمرو موسى إلى تدارس تداعيات فشل عمليّة السلام العربي ـ الإسرائيلي، واقترح إقامة منطقة «جوار» عربيّ تضمّ في رابطةٍ إقليميّة، تركيا وإيران ودولاً إفريقية، ثمّ طالب بمضاعفة ميزانية الجامعة العربيّة في سياق إصلاحها وتوسيع دورها.

مهما كان صعباً أن يتّفق العرب على أيٍّ من هذه الأمور، فإنّ طرحها بحدّ ذاته يشكّل دلالةً على تغيّر نمط التفكير في المنطقة، التي لا بدّ للآخرين، وعلى وجه الخصوص لأوروبا، من أخذها بعين الاعتبار.

فماذا بقي للاتحاد الأوروبي من إطار لتنظيم علاقاته مع العالم العربي، بعد الحصيلة السلبيّة لاتفاق الشراكة الأورو ـ متوسّطي وانهيار المحادثات لشراكة أوروبيّة ـ خليجيّة؟

كانت الشراكة الأورو ـ متوسّطية وليدة مؤتمر برشلونة عام 1995، الذي أتى في سياق مؤتمر مدريد للسلام في 1991.

وقد جمعت برشلونة دول الاتحاد، ومنها البعيدة جدّاً عن البحر المتوسّط، وبلدين انضمّا لاحقاً إليه (مالطا وقبرص)، وتركيا المنخرطة في مسار انضمامٍ لا نهاية له، وإسرائيل، وبلداناً عربيّة من بينها الأردن غير المتوسّطي، في حين لم يُفتح الباب حينها لليبيا المتوسّطية الخاضعة للعقوبات.

وفي الحقيقة، من تمّ جمعه في هذه الشراكة عربيّاً، كان: المغرب العربي، المرتبط أصلاً بقوّة بأوروبا، ومشرقيّاً الدول المحيطة بإسرائيل.

فالرهان الأساسي وراءها كان أنّ هذه الشراكة ستخلق تنميةً ورخاءً في هذه البلدان، يساعدان على ترسيخ السلام العربي ـ الإسرائيلي. ونعرف اليوم أنّ هذا الرهان لم يكُن في محلّه.

دفعت المفوضيّة الأوروبية، وما زالت تضغط، نحو مختلف أنواع التعاون مع إسرائيل، في حين لم يزعجها العدوان على غزّة في 2008 وتدمير البنى التحتيّة التي دفعت هي ثمنها، ولا تقرير غولدستون، ولا استمرار سياسة الاستيطان غير الشرعيّة في الأراضي الفلسطينيّة والقدس.

بينما ظهرت انتقادات كثيرة لحصيلة هذه الشراكة ومساعداتها الفنيّة والمالية، التي لم تأتِ فعلاً بالرخاء، ولم تكُن كما تخيّل البعض بادئ الأمر، نوعاً من مشروع مارشال أوروبي للسلام، بل بقيت مجرّد اتفاقية لحريّة التجارة والاستثمار، ودعماً لسياسات صندوق النقد الدولي للصرامة في الإنفاق الحكومي، حتّى على البنى التحتيّة والخدمات!

ولكنّ المشكلة أعمق من ذلك. وتكمُن أصلاً في فكرة خلق شراكة بين قارة، هي أوروبا.. والبحر المتوسّط، لا من هُم وراءه.

ربّما كان من الأجدى شمل مجمل الدول العربيّة ضمنها، ليس فقط ليبيا والعراق والسودان، كي تشكّل الآلية عامل استقرار، بل أيضاً دول الخليج العربي، والجامعة العربيّة كإطارٍ إقليميّ. فجميع الدول العربيّة كانت معنيّة بقضية السلام، وجميعها معنيّة بالتنمية والتعاون مع أوروبا.

ولكنّ من الأسهل لأوروبا أن تفصل بين الدول العربية النفطيّة، وتلك غير النفطيّة في آليات التعامل. والبرهان على ذلك هو صعوبات شراكتها مع دولتين معنيّتين لهما موارد نفطيّة: الجزائر وسوريا.

فدول الخليج العربي لها صناعات بتروكيميائيّة، وصناديق سياديّة، تطالب لها بحريّات تجاريّة واستثماريّة في أوروبا، توازي ما حصلت عليه هذه الأخيرة من جرّاء الشراكة في البلدان العربيّة.

وهناك مصلحة لأوروبا كي تتعامل بشكلٍ مختلف مع المجموعتين العربيّتين، في ما يخصّ موضوع الهجرة وحقوق الإنسان وحقوق العمل.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رأى هذه الإشكاليّات لدى توليّه الحكم، وانطلق في مشروع «الاتحاد من أجل المتوسّط»، ذي المنطق المختلف والأقلّ طموحاً، إذ يستهدف ما يعنيه البحر المتوسّط بحدّ ذاته.

لكنّ هذا لا يعني أنّ لهذا «الاختراق» حظّاً أكبر في النجاح. فالعملية السلمية في أسوأ أحوالها، والمفوضيّة الأوروبيّة تسيطر على آليّات التعاون، والمشاريع «المتوسطيّة» بحاجة لتمويل خليجيّ لتحقيقها.

وتركيا لن تكفّ عن الضغط حول حقّها في الانضمام. ولا ننسى أنّ ساركوزي هو نفسه أكثر المعارضين لهذا الانضمام، حين صرّح بأنّ الأمر سيجعل حدود أوروبا مع سوريا والعراق.. وإيران.

الواقع على الأرض تغيّر منذ برشلونة. فالدول العربيّة طورّت بشكل ملحوظ مبادلاتها وشراكاتها مع الدول الصاعدة، وخاصّةً الصين؛ كما أضحى الاستثمار العربي في المرتبة الثالثة في إفريقيا.

كما أنّ تركيا انطلقت في سياسات تعاون نشطة مع الدول العربيّة، وعزّزت حضورها الإيجابي حول القضيّة الفلسطينيّة؛ بل فتحت حدودها أمام مواطني دول عربيّة، واصفةً تحرّكها هذا كاتفاقية شبيهة باتفاقية «شينغين» لحرية حركة الأشخاص في الفضاء الأوروبي.

مهما كانت المبالغة في الأمر الأخير، فإنّ الأمور تتحرّك. وعلى أوروبا أن تراجع سياساتها.. وتعبر المتوسّط، كي يكون هناك حوار حقيقيّ، وربّما شراكة جديدة، ولكن بمنطقٍ مختلف.

رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

aita@mafhoum.com