بعد انقطاع دام ست سنوات، منذ شهر أغسطس 2004، تخللها صدام كلامي حاد جداً، واتهامات لدمشق بأنها متورطة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري في التاريخ القريب، واتهامات مماثلة بأنها المسؤولة عن اغتيال الشهيد كمال جنبلاط في التاريخ الأبعد، وبعد هجوم مماثل على المقاومة الإسلامية، باعتبارها ذراعا لإيران و«لحماس»..

قام النائب وليد جنبلاط بزيارة دمشق والاجتماع إلى الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد، أعقب ذلك بمؤتمر صحافي يمتدح الدور السوري في لبنان، ويؤكد أن المهمة الرئيسية هي حماية المقاومة وتعزيز دورها.

فما هي الأمور اللافتة في الزيارة؟ وما انعكاساتها المترتبة على الخريطة السياسية اللبنانية؟

أولا؛ شكلت الزيارة التي توسط من أجل حصولها السيد حسن نصر الله ورعى جميع تفاصيلها، تأكيداً إضافيا على العلاقة الوثيقة جدا التي باتت تشد «حزب الله» إلى سوريا، والموقع المميز الذي يشغله الحزب في عين القيادة السورية.

وتأتي الزيارة في أعقاب اللقاء الثلاثي، الذي جمع الرئيس بشار الأسد وأحمدي نجاد والسيد حسن نصر الله، في دمشق قبل أسابيع، واعتبر إعلانا عن تحالف ثلاثي يشمل جميع الملفات الإقليمية.

ف«حزب الله» هو من يملك اليوم، بين حلفاء سوريا على الساحة اللبنانية، «كلمة السر» السورية، ومن أوكل إليه أمر الزيارة الجنبلاطية، من حيث التوقيت والترتيبات اللوجستية والمرافقة إلى دمشق من جانب المعاون السياسي للسيد حسن نصر الله.

ثانيا؛ كان من شأن قيام جنبلاط بالزيارة منفرداً، من غير اصطحابه وفدا وزاريا أو نيابيا أو حزبيا، التأكيد على أن هذه الزيارة يراد منها إنهاء القطيعة الطويلة بين الطرفين و«غسل القلوب»، قبل الانتقال مستقبلا إلى دراسة الملفات التي تهم القيادة السورية والحزب التقدمي الاشتراكي في آن معا.

ثالثاً؛ تعمدت القيادة السورية أن تجعل اللقاء رسميا، بلا بهرجة أو احتفالية أو مهرجانية، في إشارة ذات دلالة إلى أن استعادة العلاقة مع دمشق، ما زالت تخطو خطواتها الأولى.

فاللقاء كان قصيرا نسبيا (90 دقيقة)، والإعلام السوري كان غائباً، والزيارة اقتصرت على لقاء الأسد وحده، ولم تصاحبها أية لقاءات تكريمية خاصة، كالتي حظي بها الرئيس سعد الحريري والنائب العماد ميشال عون، في زيارتيهما السابقتين.

ويبدو أن دمشق أرادت أن تقول، من خلال البرنامج الرسمي جدا والجاف جدا، إن مجرد قبولها استقبال جنبلاط بعد كل ما جرى بين الطرفين، وخصوصا بعد التهجمات الشخصية على الرئيس بشار الأسد، يشكل تنازلا كبيراً لا يستوجب أية رسائل ود إضافية.

في المقابل، حرص «حزب الله» الذي أشرف على جميع تفاصيل الزيارة، على ألا يعقد جنبلاط مؤتمرا صحافيا في دمشق، تحاشياً لإحراجه باسئلة واستجوابات من الصحافة السورية، التي شنت عليه حملة مركزة في الأشهر الأخيرة، وبذلك حفظ الحزب لوليد جنبلاط «ماء الوجه»، وحال دون أية مواجهة مهينة له ولزعامته الدرزية واللبنانية.

تبقى الانعكاسات التي ستخلفها الزيارة على المشهد السياسي اللبناني، فما هي هذه الانعكاسات؟

أولا؛ إلحاق مزيد من الضعف بالموقع الذي تمثله حركة 14 آذار، التي ليس سهلا عليها أن تشهد هذا التحول الجنبلاطي الكبير وأن تخسر ركنها الأساسي، خصوصا مع المسافة التي يحرص الرئيس الحريري على الاحتفاظ بها حيال 14 آذار، حماية لموقعه «كرئيس لوزراء كل لبنان» حسب تعبيره الدائم.

ثانيا؛ دعم زعامة جنبلاط في الوسط الدرزي اللبناني، والاعتراف بتأثيره على دروز سوريا والأراضي المحتلة.

وبعودة جنبلاط إلى أحضان دمشق، يضعف كثيرا موقع الأمير طلال أرسلان، الذي شغل دور الحليف الدرزي الأبرز لدمشق خلال مرحلة صدامها مع وليد جنبلاط. لقد نجح جنبلاط في أن يؤكد مرجعيته العامة بالنسبة إلى طائفة الموحدين الدروز، في مرحلة الصدام العسكري كما في مرحلة التوافقات السياسية.

وكان من شأن التأييد الذي لاقاه من المرجعيات الدينية الدرزية في لبنان وسوريا، أن يؤكد قدرته على الحفاظ على تقدم البيت الجنبلاطي، على سائر البيوت التاريخية في البيئة الدرزية الشعبية والسياسية.

ثالثاً؛ من شأن العلاقة التحالفية المستجدة مع «حزب الله»، بعد العلاقة التحالفية الأخرى والمستمرة مع تيار «المستقبل» وزعيمه الرئيس سعد الحريري، أن تشكل توازنا سنيا ـ شيعيا، وأن تخفف من آثار أي توتر مذهبي، خصوصا في مناطق السكن المشتركة.

رابعا؛ تعزيز الدور الذي بات يلعبه تحالف جنبلاط ـ الحريري، في التوازنات اللبنانية الداخلية، بالتنسيق مع سوريا التي حظيت بغطاء لبناني كبير، بعد الغطاء العربي.

فكلا الزعيمين ينسج علاقة طيبة مع القوى السياسية المسيحية، ومع البطريرك الماروني مار نصر الله صفير، كما ينسج علاقة دافئة مع القوى العربية والإقليمية، بدءا بدمشق، مروراً بالرياض، وانتهاء بتركيا.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae