يرفع اللبنانيون اليوم شعار إلغاء الطائفية السياسية، من دون أن يفارقهم الشك بأنهم في ذلك إنما يطرقون بوابة المستحيل. حتى ليبدو الأمر في غالب الأحوال، وكأن النظام الطائفي هو بالنسبة إليهم الوعاء الأخير لعيشهم المشترك.
ولو بحثنا في السبب الذي يجعل من التقليد الطائفي صخرة صمّاء، يلتزمها الجميع قِبلةً لهم، لكان لنا أن نورد ملاحظتين تأسيسيتين:الملاحظة الأولى؛ أن الطوائف في لبنان ليست مجرد تفريعات عقائدية لكل من الديانتين الإسلامية والمسيحية.
وإنما هي وحدات سياسية اجتماعية وثقافية، شكّلت مجتمعة أساس ظهور الكيان اللبناني في الربع الأول من القرن العشرين المنصرم.
الملاحظة الثانية؛ أن طوائف لبنان لا دين لها وهي تخوض غمار اللعبة السياسية. أي أن الحاكم على سلوك ممثِّليها في الحكم ومؤسسات الدولة، هو تقاسم السلطة وفقاً لميزان التمثيل بين المسلمين والمسيحيين، في حين لا يتعدى تدخل الدين والشريعة في السلطة، حدود السماح للمؤسسة الدينية بالوعظ وممارسة الطقوس والشعائر.
وبهذا المعنى لا يمكن قراءة نص الدستور اللبناني، سواء ذاك الذي ورد في اتفاق الطائف أو النصوص الدستورية التي سبقته، إلا بصفة كونه دستوراً هو أقرب الى الوضعية العلمانية منه الى الدستور الديني.
وهذا يعني في التحليل الأخير، أن الدولة بالنسبة إلى الطوائف التي اجتمعت لتؤسس لبنان التاريخي، ليست سوى إطار ناظم للميثاق السياسي في ما بينها.
على مضمون هاتين الملاحظتين، سنرى كيف تشكّلت العناصر التأسيسية لما يسمى «الايديولوجية اللبنانية»، وهي ايديولوجية تعود في تشكّلاتها الاولى، إلى ما قبل تأسيس لبنان الكبير في العام 1920.
وفي مرحلة ما بين الحربين العالميتين، قامت مجموعة من المثقفين اللبنانيين، كان يتصدرها ميشال شيحا، بمحاولة بلورة عقيدة وطنية تتناسب مع الدولة الوليدة متعددة الطوائف.
فالفكرة اللبنانية التي قومها شيحا وزملاؤه، كانت تقول بلبنان ليبرالي يؤوي جميع الأقليات، وتتشارك السلطةَ فيه الطوائف والمجموعات المختلفة، وتتفاعل المسيحية على أرضه مع الإسلام، والغرب مع الشرق، بشكل سلمي وإيجابي.
وتقول هذه الفكرة أيضاً بلبنان الذي يعود إلى الفينيقيين، أولئك القوم المغامرون، المتعددو الأعراق والأجناس، الذين نقلوا الحرف إلى جميع أنحاء العالم. ولكن فكرة الهوية الفينيقية لم تلق جمهوراً واسعاً.
في حين أن الفكرة القائلة إن لبنان بلد متعدد الطوائف ويتحلى بالحرية السياسية والليبرالية الاقتصادية، لاقت قبولاً وانتشاراً واسعين في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وعلى الرغم من كل ما حصل خلال السبعينيات والثمانينيات، لا تزال هذه المجموعة من الأفكار والأوصاف عن لبنان، هي الأكثر قبولاً وانتشاراً، وهي تلخص بعض الأسس والمبادئ التي يجتمع عليها عدد كبير من اللبنانيين.
لم يكن الوجه المميز لمنظومة ميشال شيحا الفكرية، في ما تقدّمه من أطروحات في حقول الوطنية والقومية السياسية والاقتصادية والاجتماع والعلاقات الدولية والدين والأخلاق فحسب، وإنما في تقديم منهجية متكاملة لما سُمِّي ب«الفكرة اللبنانية».
وهي الفكرة التي ذهب عدد من المفكرين المعاصرين إلى إعطائها بعداً فلسفياً تأسيسياً للبنان.
كان ميشال شيحا الداعية الكبير للفكرة الكيانية، وكان يريد للبنان أن يكون قيمة وجودية قائمة بذاتها. وقد تبلورت هذه الرؤية انطلاقاً من قاعدة جيو ـ فلسفية، تقول «إن الجغرافيا تخلق التاريخ وتتحكّم في مصائر الأمم واستراتيجياتها»، وهذا ما يسميه أيضاً ب«طبيعة الأشياء».
وهكذا تقوم منظومة شيحا الفكرية، على ما يمكن تسميته بالنظرة الجغرافية الشمولية إلى العالم والحياة.
وهي نظرة تقول بمبدأ رئيسي لتفسير الظواهر والأحداث، وتدعي وجود علِّية حاسمة للتاريخ وحتمية وحيدة الوجهة، وهو مبدأ يصلح وضعه في إطار مبدأ «الحتمية الجغرافية».
يقول شيحا في تعريفه للبنان «إنه بلد لا يشبه إلا ذاته». هذا ما يجب أن ندركه مرة واحدة وإلى الأبد، إنه بلد متفرِّد، وحيد نوعه وجنسه.
وبهذا المعنى، يتحكم عنده الموقع والمكوّنات الجغرافية للبنان، بحضور جوهري وثابت على امتداد التاريخ. فلبنان الأبدي الحضور في التاريخ، هو بلد «قديم قِدَم العالم»، والماضي اللبناني دائم الحضور في حاضره، وسوف يستمر حاضراً في مستقبله كما في مستقبل العالم.
لم تكن الصفة الرسالية التي منحها ميشال شيحا للبنان، مجرد عارض كلامي اقتضته شروط السجال الذي احتدم بين النخب المسيحية اللبنانية، عشية التحضر للاستقلال في العام 1943.
بل هي بالنسبة لفلسفته السياسية، كائن جوهري لا يستقيم الكيان الجديد من دونه. واللاّفت أن شيحا وعددا آخر من المفكرين المسيحيين، أمثال يوسف السواد وميشال قرم وسواهما، راحوا يعملون على إجراء توليف ومصالحة بين نزعتين متناقضتين في بناء الدولة والمجتمع، هما العلمنة والدين.
وهو الأمر الذي بدا بوضوح في إحدى المحاضرات التي ألقاها شيحا، حيث لاحظ أن الكنيسة قد تنفصل عن الدولة، ولكن لن يستطيع أحد أن يفصل الدولة عن الله. ويضيف، أنه في ما يتعدى الجماعات والأحوال الشخصية، يوجد في الدولة الحضور الضروري للذات الإلهية الخالدة.
مثل هذا التوليف الذي وجد نظائره في الجدل الذي اشتعل في أوروبا مع بدايات التنوير في القرن السادس عشر، بين اللاهوت المسيحي الرسمي والمفكرين العلمانيين، سوف يوظّفه شيحا ورفاقه في إطار التنظير للأيديولوجية الطائفية، أي باعتبار الطائفية هي مبرر وجود لبنان.
لعل العنصر الأهم في تشكّل الايديولوجية الطوائفية، هو الاتفاق على أصالة الطوائف من جانب معظم الذين انخرطوا في السجال حول الفكرة اللبنانية. كذلك اتفاقهم على كون الطوائف مجتمعة، هي الوعاء الذي يحوي وينتج ويعيد إنتاج الولاية السياسية للدولة والمؤسسات والمجتمع الأهلي.
هذه واحدة من الأفكار التي يتخللها السجال اللبناني الراهن حول مطلب «إلغاء الطائفية السياسية»، ولو تبيّنا ما في الصورة لوجدنا كيف أن كتلة وازنة من النخب اللبنانية، لا تنفك ترى إلى الطائفية بوصفها مقدّساً لا تعديل له ولا تبديل!
باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»
